الأثنين 19 مايو 2008
ثالثا : جولة مع الأدلة التي يستشهد بها “عملاء الشرطة وعلماء السلطة” .
حين يتكلم “علماء السلطة وعملاء الشرطة” عن قضية المعارضة للحاكم والخروج عليه يخلطون بين أمرين لابد من التفريق بينهما ، وهو خلط لا يمكن أن يحدث بحسن نية ، ويعبر عن سوء طوية إن لم يكن يعبر عن جهل فادح فاضح .
الأمر الأول هو : شرعية عصيان الحاكم ومقاومة ظلمه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، والأمر الثاني هو : الخروج على الحاكم بالسيف أو السلاح .
فأما عصيان الحاكم إذا أمر بغير طاعة الله ومقاومة ظلمه وامره بالمعروف ونهية عن المنكر والاحتجاج عليه بكل وسيلة – ما عدا السلاح – فلا أعلم أحدا من العلماء يحرم هذا ، ولا يوجد نص إسلامي واحد يمنع منه ، بل سنجد العكس تماما .. وأما الخروج عليه بالسلاح فهو الذي اختلفت فيه الفرق الإسلامية على ما سنعرض له بعد قليل ، ولكن تبقى أسئلة جديدة ظهرت في الواقع الحديث وتحتاج إلى إجابات من العلماء ، سنطرحها من قبيل التفكير بصوت مسموع .
1) شرعية عصيان الحاكم فيما لا يرضي الله .
كتب شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه ( منهاج السنة النبوية ) ليرد فيه على الشبهات التي يقولها الشيعة الرافضة في حق أهل السنة ، فمن الشبهات التي رد عليها قول الشيعة عن أهل السنة أنهم يوجبون الطاعة للأمير وإن كان على غاية الفسق والكفر والنفاق !!
قال شيخ الإسلام : ” أنهم ( أي أهل السنة ) لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة فلا يجوزون طاعته في معصية الله وإن كان إماما عادلا وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه … فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعة الله ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها كما أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقا إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .
كما قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فأمر بطاعة الله مطلقا وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله} وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك فقال وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ولم يذكر لهم طاعة ثالثة لأن ولي الأمر لا يطاع طاعة مطلقة إنما يطاع في المعروف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الطاعة في المعروف”(26) وقال: “لا طاعة في معصية الله”(27) و “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”(28) وقال: “ومن أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه”(29) ” انتهى (30)
وفي رواية ” من أمركم من الولاة بمعصية الله فلا تطيعوه”(31). وقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : ” السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره ، مالم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة”(32)
وتفاصيل الرواية أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أرسل سرية وأمّر عليها رجلا من الأنصار – في رواية أنه عبد الله بن حذافة السهمي – وأمر السرية بأن تسمع وتطيع للأمير ، فأوقد الأمير نارا وأمر رجال السرية أن يدخلوا في النار ، فتردد البعض ورفض البعض الآخر وقالوا : ” إنا اتبعنا رسول الله فرارا من النار” ، فلما قصوا ذلك على النبي قال لمن تردد : لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة . إنما الطاعة في المعروف .
وبهذا التوضيح وحده يمكن أن نفهم الأحاديث التي أوصت بالسمع والطاعة لأولي الأمر . يقول الإمام النووي في شرح مسلم : ” أجمع العلماء على وجوبها ( أي طاعة الأمراء ) في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع على هذا القاضي عياض وآخرون … فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية “(33)
ويرفض الإمام ابن حزم قبول الظلم مهما كان قليلا فيقول ” والواجب وإن وقع شئ من الجور – وإن قل – أن يكلم الإمام في ذلك ويمنع منه ، فإن امتنع وراجع الحق … فلا سبيل إلى خلعه وهو إمام كما كان لا يحل خلعه ، فإن امتنع من إنفاذ شئ من هذه الواجبات عليه ولم يرجع وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعداون ) ولا يجوز تضييع شئ من واجبات الشرائع “(34)
وعلى أية حال فالنصوص في هذا الموضوع صريحة وواضحة بما يغني عن كثير كلام ، وهي نصوص تقيد الأحاديث التي تتحدث بإطلاق عن طاعة الأمير أو ولي الأمر كما قال الإمام النووي .
وخلاصة القول في هذه النقطة أن معارضة الحاكم والاحتجاج عليه وعصيانه هو واجب على الأمة ، وأن كل وسائل الاحتجاج والمعارضة يجب اتخاذها ضد الحاكم في منكراته ومظالمه حتى يعود عنها ، ما عدا أمر الخروج بالسيف أو السلاح ، فتلك قضية أخرى سنناقشها بعد قليل .
وحيث أن موضع النقاش هو شرعية التظاهر السلمي والإضراب والعصيان المدني والكتابة والتحريض وسائر أنواع الاحتجاج ، فإن الذي يحرم هذا ويعارضه لايملك دليلا واحدا على ما يقول ، وليس إلا رجلا من اثنين : جاهل فادح الجهل ، أو مغرض سيئ النية .
ونفرد المقال القادم لقضية الخروج بالسيف ، من قبيل التفكير بصوت مسموع ، وهي القضية التي توجد فيها أسئلة كثيرة لم توجد عليها إجابات واضحة من العلماء في عصرنا الحديث – فيما أعلم - .. ولست أفعل إلا طرح هذه الأسئلة .
——————
(26) متفق عليه
(27) رواه أحمد وغيره ، وانظر : السلسلة الصحيحة للألباني رقم 180
(28) رواه أحمد وغيره وانظر : صحيح الجامع برقم 7520 انظر : السلسلة الصحيحة للألباني رقم 179
(29) رواه أحمد وابن ماجه وانظر : السلسلة الصحيحة للألباني برقم 2324
(30) منهاج السنة . ابن تيمية . 3/387 ، 388 . بتحقيق د. رشاد محمد سالم . ط1 جامعة الإمام محمد بن سعود . الرياض . 1406 هـ . 1986 م
(31) التخريج السابق
(32) متفق عليه
(33) شرح مسلم للنووي 12/225 . مرجع سابق
(34) الفصل في الملل والأهواء والنحل 5/28 – تحقيق : د. محمد إبراهيم نصر و د. عبد الرحمن عميرة - دار الجيل – بيروت – ط2 – 1416 هـ ، 1996 م



