ثالثا : جولة مع الأدلة التي يستشهد بها “عملاء الشرطة وعلماء السلطة” .

حين يتكلم “علماء السلطة وعملاء الشرطة” عن قضية المعارضة للحاكم والخروج عليه يخلطون بين أمرين لابد من التفريق بينهما ، وهو خلط لا يمكن أن يحدث بحسن نية ، ويعبر عن سوء طوية إن لم يكن يعبر عن جهل فادح فاضح .

الأمر الأول هو : شرعية عصيان الحاكم ومقاومة ظلمه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، والأمر الثاني هو : الخروج على الحاكم بالسيف أو السلاح .

فأما عصيان الحاكم إذا أمر بغير طاعة الله ومقاومة ظلمه وامره بالمعروف ونهية عن المنكر والاحتجاج عليه بكل وسيلة – ما عدا السلاح – فلا أعلم أحدا من العلماء يحرم هذا ، ولا يوجد نص إسلامي واحد يمنع منه ، بل سنجد العكس تماما .. وأما الخروج عليه بالسلاح فهو الذي اختلفت فيه الفرق الإسلامية على ما سنعرض له بعد قليل ، ولكن تبقى أسئلة جديدة ظهرت في الواقع الحديث وتحتاج إلى إجابات من العلماء ، سنطرحها من قبيل التفكير بصوت مسموع .

1) شرعية عصيان الحاكم فيما لا يرضي الله .

كتب شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه ( منهاج السنة النبوية ) ليرد فيه على الشبهات التي يقولها الشيعة الرافضة في حق أهل السنة ، فمن الشبهات التي رد عليها قول الشيعة عن أهل السنة أنهم يوجبون الطاعة للأمير وإن كان على غاية الفسق والكفر والنفاق !!

قال شيخ الإسلام : ” أنهم ( أي أهل السنة ) لا يوجبون طاعة الإمام في كل ما يأمر به بل لا يوجبون طاعته إلا فيما تسوغ طاعته فيه في الشريعة فلا يجوزون طاعته في معصية الله وإن كان إماما عادلا وإذا أمرهم بطاعة الله فأطاعوه … فهم في الحقيقة إنما أطاعوا الله والكافر والفاسق إذا أمر بما هو طاعة لله لم تحرم طاعة الله ولا يسقط وجوبها لأجل أمر ذلك الفاسق بها كما أنه إذا تكلم بحق لم يجز تكذيبه ولا يسقط وجوب اتباع الحق لكونه قد قاله فاسق فأهل السنة لا يطيعون ولاة الأمور مطلقا إنما يطيعونهم في ضمن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم .

كما قال تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} فأمر بطاعة الله مطلقا وأمر بطاعة الرسول لأنه لا يأمر إلا بطاعة الله {ومن يطع الرسول فقد أطاع الله} وجعل طاعة أولي الأمر داخلة في ذلك فقال وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} ولم يذكر لهم طاعة ثالثة لأن ولي الأمر لا يطاع طاعة مطلقة إنما يطاع في المعروف كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الطاعة في المعروف”(26) وقال: “لا طاعة في معصية الله”(27) و “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”(28) وقال: “ومن أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه”(29) ” انتهى (30)

وفي رواية ” من أمركم من الولاة بمعصية الله فلا تطيعوه”(31). وقال النبي – صلى الله عليه وسلم - : ” السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحب وكره ، مالم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة”(32)

وتفاصيل الرواية أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أرسل سرية وأمّر عليها رجلا من الأنصار – في رواية أنه عبد الله بن حذافة السهمي – وأمر السرية بأن تسمع وتطيع للأمير ، فأوقد الأمير نارا وأمر رجال السرية أن يدخلوا في النار ، فتردد البعض ورفض البعض الآخر وقالوا : ” إنا اتبعنا رسول الله فرارا من النار” ، فلما قصوا ذلك على النبي قال لمن تردد : لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة . إنما الطاعة في المعروف .

وبهذا التوضيح وحده يمكن أن نفهم الأحاديث التي أوصت بالسمع والطاعة لأولي الأمر . يقول الإمام النووي في شرح مسلم : ” أجمع العلماء على وجوبها ( أي طاعة الأمراء ) في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية، نقل الإجماع على هذا القاضي عياض وآخرون … فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية “(33)

ويرفض الإمام ابن حزم قبول الظلم مهما كان قليلا فيقول ” والواجب وإن وقع شئ من الجور – وإن قل – أن يكلم الإمام في ذلك ويمنع منه ، فإن امتنع وراجع الحق … فلا سبيل إلى خلعه وهو إمام كما كان لا يحل خلعه ، فإن امتنع من إنفاذ شئ من هذه الواجبات عليه ولم يرجع وجب خلعه وإقامة غيره ممن يقوم بالحق لقوله تعالى ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعداون ) ولا يجوز تضييع شئ من واجبات الشرائع “(34)

وعلى أية حال فالنصوص في هذا الموضوع صريحة وواضحة بما يغني عن كثير كلام ، وهي نصوص تقيد الأحاديث التي تتحدث بإطلاق عن طاعة الأمير أو ولي الأمر كما قال الإمام النووي .

وخلاصة القول في هذه النقطة أن معارضة الحاكم والاحتجاج عليه وعصيانه هو واجب على الأمة ، وأن كل وسائل الاحتجاج والمعارضة يجب اتخاذها ضد الحاكم في منكراته ومظالمه حتى يعود عنها ، ما عدا أمر الخروج بالسيف أو السلاح ، فتلك قضية أخرى سنناقشها بعد قليل .

وحيث أن موضع النقاش هو شرعية التظاهر السلمي والإضراب والعصيان المدني والكتابة والتحريض وسائر أنواع الاحتجاج ، فإن الذي يحرم هذا ويعارضه لايملك دليلا واحدا على ما يقول ، وليس إلا رجلا من اثنين : جاهل فادح الجهل ، أو مغرض سيئ النية .

ونفرد المقال القادم لقضية الخروج بالسيف ، من قبيل التفكير بصوت مسموع ، وهي القضية التي توجد فيها أسئلة كثيرة لم توجد عليها إجابات واضحة من العلماء في عصرنا الحديث – فيما أعلم - .. ولست أفعل إلا طرح هذه الأسئلة .
——————

(26) متفق عليه
(27) رواه أحمد وغيره ، وانظر : السلسلة الصحيحة للألباني رقم 180
(28) رواه أحمد وغيره وانظر : صحيح الجامع برقم 7520 انظر : السلسلة الصحيحة للألباني رقم 179
(29) رواه أحمد وابن ماجه وانظر : السلسلة الصحيحة للألباني برقم 2324
(30) منهاج السنة . ابن تيمية . 3/387 ، 388 . بتحقيق د. رشاد محمد سالم . ط1 جامعة الإمام محمد بن سعود . الرياض . 1406 هـ . 1986 م
(31) التخريج السابق
(32) متفق عليه
(33) شرح مسلم للنووي 12/225 . مرجع سابق
(34) الفصل في الملل والأهواء والنحل 5/28 – تحقيق : د. محمد إبراهيم نصر و د. عبد الرحمن عميرة - دار الجيل – بيروت – ط2 – 1416 هـ ، 1996 م 

ثانيا : من حق الأمة بل من الواجب عليها خلع الحاكم وعزله إذا فعل ما يستوجب ذلك .

وإذا كان الفكر الإسلامي لا يعتبر الحاكم إلا وكيلا عن الأمة ، “يخضع لما يخضع له الوكيل  في سائر العقود” ، فمما لا شك فيه إذن أن من يملك إعطاء الوكالة يملك نزعها .. ولا خلاف بين العلماء في أن الأمة تملك حق خلع الحاكم وعزله إذا فعل ما يستوجب ذلك ، بل هو ليس مجرد حق ولكنه واجب عليها ، وهي النظرة المنسجمة مع الفكر الإسلامي والتي يتميز بها عن الفكر الوضعي .. فالإسلام لا يجعل الحق مجرد حق يمكن التنازل عنه ، بل هو واجب يجب تأديته ، وبين “الحق” و”الواجب” مسافة لها أثر كبير على التطبيق العملي .. وقد نضطر أحيانا إلى استعمال ” يملك الحق ” بدلا من ” عليه واجب ” لأن المطروح على ساحة النقاش هو حديث الحقوق : حقوق الإنسان ، حقوق الشعوب ، حقوق المرأة .. وذلك أثر من آثار التفوق الغربي وهيمنة مصطلحاته على الساحة الفكرية .

فالأمة لا تملك حق خلع الحاكم فقط ، بل هو واجب عليها كذلك إن بدا منه ما يستوجب خلعه وعزله .

ومن يملك “حق الخلع والعزل” فهو بالضرورة يملك “حق الاعتراض” .. والأدق – إسلاميا – أن نقول : هذه واجبات لابد من القيام بها وإلا كان الإثم والذنب والمعصية .. فلقد ذم الله سبحانه وتعالى أقواما استكانوا للظلم والطغيان ( وتلك عاد جحدوا أمر ربهم وعصوا رسله واتبعوا كل جبار عنيد ) وقال تعالى عن فرعون ( فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين ) . ولو كان مقاومة الظلم مجرد “حق” لما كان التنازل عنه موضع استنكار وذم .

إذن .. فالاعتراض على انحرافات الحاكم واجب على الأمة حتى يرجع إلى الحق ، فإن لم يرجع كان من واجب الأمة أن تعزله .. يقول الإمام أبو بكر الباقلاني في التمهيد ” إن الإمام إنما ينصب لإقامة الأحكام .. وهو في جميع ما يتولاه وكيل الأمة ونائب عنها ، وهي من ورائه في تسديده وتقويمه وإذكاره وتنبيهه وأخذ الحق منه إذا وجب عليه ، وخلعه والاستبدال به متى اقترف ما يوجب خلعه “(12)

فهذه الأمة مأمورة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل ذلك هو سبب كونها خير أمة أخرجت للناس ، وقد لعن الله بني إسرائيل لأنهم ( كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه ) . وكل مسلم مأمور بأن يتحرك للنهي عن المنكر ” من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان “(13)  .. فحتى هذا الذي لا يستطيع التغيير بلسانه يجب عليه التغيير بقلبه بمعنى أن يكره المنكر ويتمنى تغييره ، وهذا بالضرورة هو الشخص الذي إذا توفرت له القدرة على التغيير باللسان أو باليد فإنه سيفعل ، ولذلك كان الذي لا ينكر بقلبه ليس في قلبه حبة خردل من إيمان ، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ” ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب. يأخذون بسنته ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف. يقولون ما لا يفعلون. ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل”(14)

ويقول الإمام النووي في شرح مسلم : ” وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “فليغيره” فهو أمر إيحاب بإجماع الأمة، وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضا من النصيحة التي هي الدين”(15) . بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب حتى لو كان المتوقع أنه لا يفيد ولا يغير شيئا ، يقول الإمام النووي ” قال العلماء رضي الله عنهم: ولا يسقط عن المكلف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكونه لا يفيد في ظنه، بل يجب عليه فعله “(16)

ويقول الشيخ الغزالي رحمه الله : ” والحق أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخصائص الأولى للأمة الإسلامية ، والشعار الواضح من بين شعائر الإسلام . فبه صارت خير أمة أخرجت للناس ، وعلى أساسه وعدت بالتمكين في الأرض والصدارة على الصعيد العالمي ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ) . والتعقيب على أخطاء الحاكم بالنقد ليس أمرا مباحا فحسب – كما يظن من مفهوم كلمة الحرية السياسية – بل هو في تعاليم الإسلام حق لله على كل قادر ، والسكوت عن هذا النقد تفريط في جنب الله “(17)

وقد أنذر النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال : ” إذا رأيتم الظالم ولم تأخذوا على يديه ، أوشك الله أن يعمكم بعذاب من عنده “(18). وأن يتولى الحكم رجل لا يستحقه هو في الإسلام ضياع للأمانة تنذر بالخراب ونهاية الدنيا ، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : ” إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة . قيل : وكيف إضاعتها ؟ قال : إذا وُسّد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة “(19)

بل كلما ازددنا تعمقا في النصوص الإسلامية يكبر الأمر ويتسع ، إن النبي – صلى الله عليه وسلم – اعتبر أن الأمة لا خير فيها إذا لم تجرؤ على أن تقول للظالم يا ظالم فقال : ” إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له : إنك أنت ظالم فقد تودع منهم “(20) .. والأمة نفسها إذا لم تقاوم الظالم فهي في خطر ، بل هي تواجه أحد أكبر الفتن وهي “فساد ذات البين” التي وصفها النبي – صلى الله عليه وسلم - فقال : ” هي الحالقة . لا أقول : تحلق الشعر ولكن تحلق الدين “(21) .. وإذا لم تقاوم الأمة الظالم فهي أمام هذا الخطر بل مضاف إليه خطر آخر وهو “عدم استجابة الدعاء” ، قال – صلى الله عليه وسلم - : ” لتأمرن بالمعروف ، ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرا ، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض ، ثم تدعون فلا يُستجاب لكم “(22)

ويُنزل الله العذاب على عامة الناس إذا لم ينكروا المنكر ، قال – صلى الله عليه وسلم – : ” ان الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة “(23)

ويقرر النبي – صلى الله عليه وسلم – أن “أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر”(24) . ولذلك كان المقتول في سبيله سيد الشهداء بشهادة النبي – صلى الله عليه وسلم – الذي قال : ” سيد الشهداء حمزة ، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله “(25)

ولم يكن الأمر مجرد كلام ، بل وقائع التاريخ الإسلامي ، وقبل أن يفكر أحد في العالمين في محاسبة الحاكم ، تثبت ان الأمة بمجموعها كانت تعرف حقوقها ، وتواجه بها الحكام والأمراء والسلاطين ، ولم يخل عصر من قائم لله بحجة ، وحصر الذين قاموا ونصحوا للسلطان أمر يطول ويحتاج إلى بحث منفرد .. وقد لا يتضح مدى الإنجاز الإسلامي في هذه القضية إذا لم يُعرف كيف كان الحال في هذا الوقت في امبراطوريات فارس والروم والهند ، فبضدها تتميز الأشياء .

والمقام ليس مقام حصر للنصوص والحوادث الإسلامية التي تعبر عن الفكر الإسلامي الذي لا يعطي الحق للأمة في الاعتراض على الحاكم فقط ، بل يوجبه عليها .. ويأمرها بأن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر للصغير والكبير والحاكم والمحكوم ، ويتوعدها بأنواع الوعيد والتهديد والعذاب إذا لم تقم بحق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وإنما المقام مقام إشارة .. ولعل فيما قدمناه ما يكفي في مقام الإشارة .
————————

(12) التمهيد للباقلاني . ص 35 . نقلا عن : الإسلام وحقوق الإنسان . د. محمد عمارة . ص76 . كتاب سلسلة عالم المعرفة . مايو 1985 .
(13) رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه
(14) رواه مسلم
(15) صحيح مسلم بشرح النووي 2/22 ، 23 . ط1 . المطبعة المصرية بالأزهر . 1347 هـ . 1929 م
(16) السابق
(17) حقوق الإنسان بين تعاليم الإسلام وإعلان الأمم المتحدة . الشيخ محمد الغزالي . ص62، 63 . ط4 . دار نهضة مصر . القاهرة . أغسطس 2005
(18) رواه أحمد الترمذي ، وصحح إسناده الشيخ أحمد شاكر
(19) رواه البخاري
(20) رواه أحمد والحاكم وصححه ووافقه الذهبي . وصححه الشيخ أحمد شاكر
(21) رواه الترمذي وقال : حديث صحيح غريب وحسنه الألباني . انظر سنن الترمذي مع تعليقات الألباني ص 656 . ط1 مكتبة المعارف للنشر والتوزيع . الرياض
(22) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والهيثمي في مجمع الزوائد وقال رجاله رجال الصحيح
(23) أخرجه أحمد بسند حسن وهو عند أبي داود وله شواهد عند أحمد وغيره . كذا قال الحافظ في الفتح 13/6 . تحقيق عبد القادر شيبة الحمد . ط1 على نفقه الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود . 1421 هـ . 2001 م
(24) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم ، انظر : السلسلة الصحيحة للألباني رقم 491

شيوخ يؤسسون من جديد للشيوعية !!

كانت الشيوعية تقول إن “الدين آفيون الشعوب” ، تستخدمه الطبقة الحاكمة في تبرير وإقرار موقعها من الحكم وإقناع الناس بأن الرضا بالفقر والجهل والمرض هو نوع من الرضا بقضاء الله وحكمته .. وليس بعيدا ذلك الجهاد الذي خاضته الحركات الإسلامية دفاعا عن أن هذا الكلام وإن صح في بعض الأديان وصح في بعض فترات تاريخ الغرب إلا أن هذا لم يكن فإنه لا يصح في الإسلام كدين ولا في عصور الإسلام كتاريخ .. وإن كانت المعركة لم تنته كاملة فإن أوارها رقد بعد الانهيار شبه الكامل والنهائي للشيوعية ، والصحوة الإسلامية التي تبدو كإعصار تزيد في كل يوم ولا تنقص .. ولا يمنع ثمار الإعصار إلا القابضون على حكم البلاد العربية والإسلامية .

هؤلاء القابضون ، يواجهون تلك الصحوة الشعبية والإسلامية بمجموعة من “عملاء الشرطة وعلماء السلطة” .. يحاولون من جديد صناعة شعوب مستسلمة خانعة ساكتة ، تؤمن بـ ” ألا تننازع الأمر أهله ” و بـ ” أن الخروج على الحاكم فتنة ” وبأن الواجب أن “تسمع للأمير وتطيع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك” .. وتضع كلام الله وكلام رسول الله في غير مواضعها ، وهم بهذا يساهمون في إثبات أن الدين آفيون الشعوب ومخدرها ومعطلها عن التحرك ، قبل أن يساهموا في تثبيت سلطة “ولي الأمر” .. قد يكون بعضهم لايدري ، ولكن فإنهم إن نجحوا – ولن ينجحوا بإذن الله – فهم المجرمون والصادون عن سبيل الله ، وعليهم وزر من اقتنع أن الدين يجب نفيه وإقصاؤه في المعركة مع الاستبداد والطغيان .

فهل يعيد بعض الشيوخ وبعض الإسلاميين زرع وتمهيد الأرض للشيوعية ؟؟

***

لم يكن مجرد “صدفة” ذلك الكم الهائل من تعليقات ومقالات ودراسات منشورة على الانترنت وفي الصحافة حول “حرمة الإضراب” وقبلها حول “حرمة التظاهر ” .. وتحشر في ثنايا كل هذا نصوص من القرآن والسنة ليس لها هدف إلا إقناع الناس بأن الحاكم هو “ولي الأمر” الذي “تجب طاعته” في كل الأحوال ، بل إن من لم يمت على الولاء له “مات ميتة جاهلية” !!!!

وإذا كان هذا يكثر في المناسبات الاحتجاجية ، فإن السلطات تدعمه بمناسبة وبدون مناسبة .. والقائمون بهذا إن صحت نواياهم كان هذا دليلا على ضحالة علمهم ، وإن كانوا علماء فهذا دليل على فساد نواياهم وسوء نفوسهم .. لخص ذلك من قال ” علماء السلطة وعملاء الشرطة ” .

وكلام هؤلاء أبعد من أن يؤثر في المجاهد الذي يقوم للسلطان الجائر .. وإنما هو موجه لعوام الناس ، ولا يقتنع به إلا من استسهل القعود في البيت أو في زاوية المسجد واستحلى أن يتكلم في الطهارة والحيض والنفاس وأبواب علم الكلام التي انتهى زمنها ، أو الطاغية الظلوم ومن حوله ممن حازوا ثروة بغير حقها ونفوذا ليسوا له أهلا فيصدقون الكلام لأنه على هواهم وفي مصلحتهم .

والمعركة تدور حول الجماهير العريضة المخلصة .. فإن الحق واضح ، ولكن لا حيلة لهم أمام من يقول قال رسول الله ” اسمع وأطع وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك” و ” من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية” .. هنا توجد الحيرة .

ومن أجل تلك الحيرة ، ومن أجل هؤلاء الناس .. كانت هذه السطور ، ولنا في كتابتها ثلاثة أهداف :

1- إثبات أن الحاكم هو الخادم عند الأمة وليس العكس .
2- إثبات أن من حق الأمة ، بل من واجبها ، خلع الحاكم والخروج عليه إذا انحرف عن الحق وأصر على ذلك .
3- الرد على الاستشهادات الباطلة بنصوص “طاعة ولي الأمر وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك” .. وتوضيح معنى هذه النصوص وموضعها من منظومة النصوص الإسلامية في هذا الموضوع .

*************

أولا : الحاكم هو الخادم عند الأمة وليس العكس :

إن ترديد أحاديث بعينها منقطعة عن باقي الأحاديث في شأن العلاقة بين الحاكم والرعية بهدف تثبيت مبدأ طاعة ولي الأمر مهما فعل ، هو شئ لا يخلو إما من جهل فاحش أو سوء نية أشد فحشا وأعظم جريمة .. حتى إن هذا التكديس سيئ الغرض يوحي في نهاية الأمر أن الأمة في خدمة الحاكم .. وهو ما يناقض على طول الخط الفكرة الإسلامية ، فلا أعلم خلافا بين علماء المسلمين في مسألة أن الحاكم هو الوكيل عن الأمة بل الأجير عندها ، والأمة هي من تملك حق تعيينه ، وتملك كذلك حق عزله .

إن هذا أحد جوانب الضرر إذا تُرك غير العالم يتكلم في الإسلام ، خصوصا إن كان من طائفة عملاء الشرطة أو علماء السلطة .. إننا نصل من خلال الفهم الخاطئ إلى عكس ما يريد الإسلام تماما .

وهو الفهم الذي تناقضه حركة التاريخ الإسلامي كله ، فلم يوجد في تاريخنا من فهم من الإسلام أنه استسلام للحاكم ، بل ربما العكس تماما حتى إن الإمام الشهرستاني يقول : ” ما سل سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان “(1) 
وتحليل التعريفات التي كتبها العلماء عن الإمامة والخلافة يوضح أنهم “كانوا يرون أن الرئاسة العامة في أمور الدين والدنيا – أصلا – إنما هي للأمة . وهذا مبدأ له قيمته السياسية والدستورية الكبرى “(2) .. ويقرر د. الريس بعد استعراض أقوال العلماء ” أن الموجب الأول لعقد “الإمامة ” إنما هو الأمة … فما دام قد ثبت لنا أن “الإمامة” هي نيابة أو وكالة عن الأمة فمعنى ذلك – إذا أردنا أن نستعمل لغة القوانين الدستورية الحديثة – أن الأمة ، من الوجهة السياسية العملية ، هي “مصدر السلطات” … وهذا الذي توصل إليه فقهاء الشريعة الإسلامية وقرروه في كتبهم قبل قرون ، لم يقل أقطاب الديمقراطية الحديثة أكثر منه “(3)

وهذا الفهم قديم منذ العصر الإسلامي الأول ، فلما دخل الفقيه التابعي أبو مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان وهو من الصحابة قال : السلام عليك أيها الأجير . فقال الجالسون : قل السلام عليك أيها الأمير ، فكررها أبو مسلم فقال معاوية – رضي الله عنه - : دعوه ، فهو أعرف بما يقول “(4)

ويعلق شيخ الإسلام ابن تيمية على حديث رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : “ما من راع يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لها، إلا حرم الله عليه رائحة الجنة”(5) فيقول : فإن الخلق عباد الله، الولاة نواب الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر، ففيهم معنى الولاية والوكالة ، ثم الولي والوكيل متى استناب في أموره رجلا، وترك من هو أصلح للتجارة أو العقار منه، وباع السلعة بثمن، وهو يجد من يشتريها بخير من ذلك الثمن، فقد خان صاحبه”(6)

وهذا الفكر قديم ممتد وفي عصرنا الحديث قال علماؤنا مثلما قال سلفنا الصالح فقال شيخ الأزهر الأسبق الإمام محمود شلتوت : ” ومن حق هذه الأمة المكلفة أن تختار من يباشر سلطتها نيابة عنها … اختيارا يقوم على الرضا وتوخي المصلحة العامة دون قهر ولا خديعة ، ومن تختاره الأمة لقيادتها يخضع لرقابتها ، وليس له عليها سيادة ، لأنه وكيل يخضع لما يخضع له الوكيل في سائر العقود من رقابة الأصل الذي يحدد له كل تصرفاته “(7)

ويقول كذلك ” وهكذا يجعل الإسلام الحكم حقا للأمة التي استخلفها الله في الأرض واستعمرها فيها ، ومنحها وصف السيادة عن هذا الطريق على كل فرد منها ولو كان حاكما “(8)

ويقول العلامة القرضاوي : ” والحاكم في الإسلام وكيل عن الأمة ، بل أجير عندها ، فلها عليه ولاية المُوَكِّل على الوكيل والمستأجر على الأجير “(9)

وفي موسوعته “الفقه الإسلامي وأدلته” يقرر الدكتور وهبة الزحيلي بعد استعراض الآراء في طرق اختيار الإمام فيقول : ” وهذا يدلنا على أن الأمة هي مصدر السلطة التنفيذية ( الإمامة ) لأن حق التعيين والعزل ثابت لها “(10)

ويمكن أن نختم هذا الجزء بالخلاصة التي وضعها الإمام محمود شلتوت عن مبادئ الحكم في الإسلام فقال :
” 1- السيادة : لله وحده لأنه الخالق المالك ، وهي في كل شعب للشعب نفسه بعد الله الذي استخلفه في وطنه.
2- الحكم : لله وهو حقه وحق الشعب يباشره نيابة عن الله .
3- الحاكم : وكيل للأمة وليس له عليها سيادة بل هي سيدته وهو خادمها الأمين .
4- الشورى : أساس الحكم وكل حكم لا يقوم على الشورى لا يكون شرعيا “(11)
ولا أحسبه يحسن أن نطيل في هذه النقطة أكثر من هذا فهي من المتفق عليه بين العلماء ، ولا أعلم في هذا مخالفا .

—————————–

(1) الملل والنحل للشهرستاني 1/31 . تحقيق أمير علي مهنا وعلي حسن فاعور . ط3 دار المعرفة . بيروت . 1414 هـ . 1993 م .
(2) النظريات السياسية الإسلامية . د. ضياء الدين الريس . ص 122 .ط7 . دار التراث . القاهرة . وانظر كذلك ص 217 وما بعدها
(3) النظريات السياسية الإسلامية ص220 . مرجع سابق
(4) سير أعلام النبلاء . الإمام الذهبي .4/13 . ط2 مؤسسة الرسالة . بيروت . 1402 هـ . 1982 م
(5) متفق عليه
(6) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية . ابن تيمية . ص 14 . ط1 . دار الآفاق الجديدة . بيروت . 1403 هـ . 1983 م
(7)  من توجيهات الإسلام . الشيخ محمود شلتوت . ص 452 . ط8 . دار الشروق . 1424 هـ . 2004م
(8)  من توجيهات الإسلام ص 454 . مرجع سابق
(9)  من فقه الدولة في الإسلام . د. يوسف القرضاوي . ص35 . ط3 دار الشروق . 1422 هـ . 2001 م
(10) الفقه الإسلامي وأدلته 6/684 . د. وهبة الزحيلي . ط2 .دار الفكر . دمشق . 1405 هـ . 1985 م
(11)  من توجيهات الإسلام . مرجع سابق . ص 459

مرت ستون عاما نكبة فلسطين .

كلام كثير كتب ، وكلام كثير يستحق أن يكتب .. وجوانب المأساة القديمة الدائمة قادرة دائما على استدرار الكلام ، وإن كان الفارق بين المأساة والكلام كالفارق بين الحبر والدم ، وبين الألم والتعاطف .. ستون سنة كانت الزمن الذي زهقت فيه أوهام وثبتت فيه حقائق واختبرت فيها النفوس حتى تميزت معادنها .. فمنهم من لا يلحقه الذهب ومنهم من يعافه الوسخ .

كانت سنوات شديدة ، رفعت بعض الناس إلى الفردوس الأعلى ، ووضعت آخرين في الدرك الأسفل من النار .. وما زال ارتقاء الشهداء صاعدا ، وانحدار العملاء هاويا .

ولقد كان يكفي أن تكون الآخرة عزاء عن ألم النكبة .. غير أن الله لم يعدنا الآخرة فقط ، بل وعدنا الدنيا معها .. اسمع بقلبك قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوزر العظيم * واخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين ) .

فلئن كان وعد الآخرة حق ، والجنة حق ، والمساكن الطيبة حق .. فإن الله وعدنا معها أيضا ( نصر من الله وفتح قريب ) .

 

(1) هل توهموا يوما أن لهم في أرضنا مقام ؟

 

قد مضى على وجودهم ستون سنة ، ومن قبلهم ظل الصليبيون في بيت المقدس حوالي مائة سنة .. فهل نفعهم طول بقائهم شيئا ؟ هل كان طول الأيام دليلا على حق أو برهانا على دوام الحال ؟؟

وأين نحن بعد الستين سنة .. من في العرب والمسلمين قبل بوجود إسرائيل أو رضي بها أو استعد للتعايش معها في سلام ، وذلك مقام الضمير فلا يخطر ببالك السفهاء والشاذون الآن ؟ لا أحد .

وأنا قد جاوزت العشرين عام وما عرفت في حياتي واحدا ممن قتلوا في فلسطين لا في أول نكبتها ولا في أيامها تلك ، وأجد كل يوم ثأري يزداد اشتعالا ، وكل قطرة دم أراها تزيد النار نيرانا .. ولست إلا مثالا لكل جيلي ، الجيل الذي لم تستطع ستون عاما من القهر والقتل والكبت والغزو الفكري أن تهيئنا لقبول إسرائيل أو الرضا بوجودها .

نحن جيل يرث ثأر آبائه ويزيد عليه ثأره .. ولو لم نأخذه بأيدينا ، فأولادنا يحملون من بعدنا ثأر آبائنا وثأرنا ثم يزيدون بثأرهم .. إنه القدر النافذ والوعد الحق .

ثم ، من نحن ؟ نحن فلسطين ، والشام ، ومصر ، والحجاز ، والعراق ، واليمن ، وإيران وباكستان وحتى إندونيسيا .. نحن نصف إفريقيا ، ونصف آسيا ، وبلاد القوقاز .. نحن كل العرب ، ووراءنا كل المسلمين ، وورائهم كل أحرار العالم .. وهم كثير .

أجيالنا تتجدد ، ومعيننا لا ينضب ، وخيرنا لا ينتهي ، وخصبنا لا يجدب .. نعيش ، وبرغم كل القهر ، قادرون على النصر .

وانظروا : فلسطين ، بل انظروا إلى غزة .

من في الوجود إذا عرض له فارق القدرات بين غزة وإسرائيل قد يتراءى له مجرد بقاء غزة .. ولكن غزة تبقى وإسرائيل تنسحب ، أهل غزة الجوعى المرضى الجرحى القتلى بعدما دخلوا مصر عادوا إلى سجنهم طوعا بل حبا ، ومستوطنوا إسرائيل يزعجهم صاروخ بدائي الصنع .. إنهم لا يتحملون الخوف ، فضلا عن الموت .

ستة ملايين يحبمون بالعودة ولو بعد ستين سنة ، يحلمون بالعودة إلى أرض الدماء والأشلاء والجراح والجوع والحصار .. وعلى الجانب الآخر يهاجر الملايين من إسرائيل بعد أن اكتشفوا أنها ليست جنة موعودة .. فمن الذي يستحق النصر ؟ الذي يحلم بالعودة إلى أرض الدماء ، أم الذي لم يقبل إلا أن تكون أرضه جنة لا خوف فيها .

ذلك الفارق بين صاحب الأرض والطارئ عليها .. وهو فارق - لو تعلمون- عظيم ، ويصدقه الواقع ونتائج المعارك .

هو نفس الفارق بين المتطوعين للشهادة ، والهاربين من الجندية .. هذا ما يجعل المستقبل لنا .

 

(2) على نفسي لا على الأمة .

 

إنه زمان بعيد ذلك الذي يتكرر : لم أكن حاضرا يوم انطلق الجهاد ، يوم بزغ الإسلام وانساب في الأرض يغمرها بنور العدل والحق .. والرحمة كذلك .

لم أكن حاضرا يوم دخل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب وتسلم مفاتيح القدس .. لم أكن حاضرا كذلك يوم أن حررها صلاح الدين .

لم أحضر اليرموك ولا القادسية ولا حطين ولا عين جالوت ولا فتح القسطنطينية ولا الزلاقة ولا الأرك .. ولا آلاف الوقائع التي غيرت وجه التاريخ ، وأبانت عن معدن الأمة وعن نوعيات أبطالها .

وقد أحزن لغزة .. واشتاق للقدس .. وابكي كلما نظرت إلى قصور الأندلس .

لكن الحقيقة الكبرى أني أحزن على نفسي لا على الأمة ، واشتاق لأن أصلي أنا في القدس لا لأني أخاف ألا تصلي الأمة .. كما أحزن أني لم أكن في زمن عمر ، أحزن على نفسي لا على زمن عمر ، وأتحسر أني لم أر صلاح الدين حسرة على نفسي لا لأن صلاح الدين كان ينقصه أن أراه .. وأتخيل معارك الجهاد الكبرى فأتشوق لها ، وأبكي على حالي لا على الأمة .

الأمة موعودة بالنصر ، وهي تسير نحوه لا محالة .. إنما أصرخ وأكتب وأغضب واشتعل على نفسي .. لا على الأمة .

هل أستحق أن أكون من هذه الأمة ؟

 

(3) ستون عاما من التسول .

 

حسنا .. قد بلغت إسرائيل ستين سنة . وما ينكر عاقل أنها تجربة حري بأن يستفاد منها .

ولكن ، إسرائيل حتى بعد بلوغها الستين لا تستطيع الاعتماد على نفسها ، وصدق الله تعالى ( ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس ) .. ستون سنة وما زالت إسرائيل تتسول بقاءها من غيرها ، ويأتيها المدد من خلف البحار .. أفلا يذكرنا هذا بحال الصليبيين في المشرق ؟؟ ظلوا مائتي عام ، وما استطاعوا البقاء إلا بالمدد الذي يأتيهم في كل حملة جديدة .

وما مصير من لا يستطيع أن يعتمد على نفسه إلا الانهيار .. وعسى أن يكون قريبا .

بل الآن ، قد اتسع الخرق على الراتق .. فهي حتى بدعم الغرب لها ، عاجزة عن فرض مشروعها .. ورغم أن لها السلاح والمال والقرار السياسي العالمي وحكام العرب يعملون في خدمتها وما يطلبون غير رضاها ، ولا تستطيع فرض ما تريد على حفنة مقاتلين لا يملكون إلا السلاح الخفيف .

وهي بعد أن عجزت عن فرض مشروعها تلقت ضربات في الصميم .. فإسرائيل التي خططت لأن يكون عام 1998 هو عام دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل .. تنسحب من سيناء ومن لبنان ومن غزة ، وتبني حولها سورا واقيا ليحميها من الاستشهاديين ، إنها تزداد انحسارا وانحصارا ، وتلقت ضربات فاضحة في غزة 2006 وفي لبنان 2007 ثم في غزة 2008 .. ومسلسل فضائحها في غزة يبدو بلا نهاية .

رغم أن الداعمين لم يتوقفوا عن الدعمم بكل ما يملكون في كل تلك الجولات ..

فماذا يمكن أن يفعلوا لها أكثر من ذلك ؟؟ بل ماذا تأمل هي أن تبلغ أكثر من هذا الذي بلغت ؟؟

فكم تحتاج إسرائيل من السنين حتى تستطيع الاعتماد على نفسها فتبقى بقوتها لا بقوة غيرها ؟ ومتى - إن فعلت هذا - تستطيع فرض مشروعها ؟

الحق أنه ليس لديها أمل .. وقد انهارت ثقتها بنفسها وبمشروعها ، قبل أن تنهار أسطورتها التي ظنوها لا تقهر .

 

(4)

ستون عاما من الزلازل .. ورغم الضعف العربي والعجز الإسلامي المعروف ، إلا أن إسرائيل عاشت أيام عمرها في أرض الزلازل .. فلم يهنأ لها بال .

وقريبا يأتي الزلزال الأكبر .. ( فحعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس )

بعد عدة محاولات للكتابة عما يحدث في غزة .. أشهد أني لم أعد قادرا على كتابة شئ .. أفتقد البداية ، وقد نفدت مني كلمات الذهول والتعجب والحيرة .. كما لم يعد في ما أعرفه من كلمات ما يمكن أن يوصف به ما يفعل حكام مصر والسعودية والأردن ومن ورائهم باقي الصعاليك .

ولا أعرف كيف لمن لا يحركه موت الناس وجوعهم أن يتحرك بغير القوة .. ولا أدري ما مصلحة مصر وما مصلحة مبارك نفسه - كرئيس وحاكم - في أن يفرض نفسه عدوا لغزة ولحماس ، وفي أن يفرض على حماس أن تشعل معركة مع مصر رغم كل محاولاتها لتجنب هذا الصدام ..

 لا أتوقع إلا النجاسة والقذارة من كلاب وخنازير الإعلام الرسمي سواء ماتت حماس من الجوع ومعها اهل غزة أو اقتحمت الحدود فسدت جوع الناس وخففت بعضا من ألمهم أو حتى تنازلت عن السلطة وتركت كل شئ ، بل ولو انتحرت .. لما فعلوا إلا أن يسلقوها بألسنة حداد .

لا أدري بحق ماذا ستفعل حماس ، ولو أنه لا يبدو في الأفق حل إلا اقتحام حدود الاستعمار مع مصر ، فكافة الطرق لم تعد تجدي ، ومصر تصر على الملاوعة وتضييع الوقت وتنفيس الغضب .. والناس في غزة تموت ولا يؤثر موتهم في قلوب أحد من صناع القرار .

وكل الكلام الذي يمكن أن يكتب ليس جديدا ، ليس جديدا بالمرة ، أقصد في قيمته وجوهره .. لكن التفاصيل جديدة دائما وفاضحة دائما ، وسبحان من خلق قلوبا تستطيع القسوة إلى هذا الحد ، ولكننا الآن أشد إيمانا بأن النار حق ، ومصير عادل عادل عادل .

أسمع على قناة الأقصى من ينادي المصريين أن قوموا لنجدة غزة .. لا أدري مالذي يمنعهم من شتمنا وسبنا ووصفنا بكل ما نستحق ، وما نستحقه كثير .. بل يزلزلني أن أرى بعضهم على قناة الأقصى وعلى منتديات الانترنت يحب المصريين ويرى فيهم الأمل .. علام ؟ لا أدري .

ما أقهر أن تشعر بالعجز ! وأشد منه أن الذي تخذله ما يزال يرى فيك الأمل !

أحاول أن أجد من الكلام ما يمكن أن ينقل الألم والإحساس للناس فلا أستطيع .. كيف يحرك الكلام من لا تحركه الدماء ؟ وماذا أفعل إن كنت لا أملك إلا الكلام ؟؟

يا شعب فلسطين .. ويا أهل غزة ، أنتم العزة في بحر الذلة ، بالله عليكم لا تضغطوا علينا ولا تنتظروا منا شيئا .. رتبوا أموركم على أن من حولكم جميعا يهود ، وأشد من اليهود ، لا تنتظروا منا خيرا ، وأستطيع أن أعدكم - بالنيابة عن نفسي وعن أهلي - أنني لن أطلب منكم أي دعم إذا تحررتم وكنا وقتها تحت الاحتلال .

ومن فرطوا بالأقصى ، لن يحفلوا أن يفرطوا بمصر أو بمكة والمدينة .

وخلاصة ما أقول : أني- ومع اعترافي بضآلة حجمي وانعدام قيمتي - أدعم تماما ومتحمس تماما لأي رد فعل تقوم به حماس ، وقد كنت قبل ذلك إن شقيقي لو تصدى لحماس فى اقتحامها فقتل برصاصها لما لمتها ولاعتبرت دمه في رقبة من أوقفوه أمام إخوانه ، والآن أقول : بل أنا ولو قتلت برصاص حماس فهي على الحق وأنا على الباطل وحسب الأمة أن تخلصت من عاجز مقهور كان عالة عليها ، بعد انتصار أبطالها وجنودها المجاهدين بارك الله سواعدهم .

لعنكم الله !!

الآن فقط يتذكر من لادين له ولا ملة فضلا عن أن يتمذهب بمذهب أن حزب الله شيعي ، ويتباكى دموع النفاق والخسة على ما حدث في بيروت وعلى دماء المسلمين السنة ، وعلى مساجد المسلمين السنة .. الآن نبت حب السنة في قلوبكم ، ولو سئل أحدهم عن الفوارق بين السنة والشيعة ما عرف جوابا .

ثم من السنة الذين يتباكون عليهم .. سعد الحريري ! .. أم وليد جنبلاط ، أو لعله سمير جعجع ؟؟

من السنة ؟؟ .. السنة الذين وقفوا يتفرجون - في أحسن الأحوال - وإسرائيل تنهش لبنان ، وما كان همهم إلا ضرب المجاهدين في الظهر ؟؟

أسعد الحريري وزمرة المرتزقة القتلة يمثل السنة .. تعسا والله للسنة إن كان هؤلاء رموزها ، بل هم كلاب الأمريكان تلبسهم كوندايزا قفازات لأعمالها القذرة مما تتعفف أن تلوث بها يدها ثم تخلعهم وترمي بهم لمزابل التاريخ .

وإن كان حزب الله شيعي فاجر كافر شرب الإلحاد حتى غرق .. وإن كان قاتل السنة وهو يريد إبادتهم وتصفيتهم .. أفلا تروننا مافعلتم للسنة المذبوحين في كل مكان قبل حزب الله وقبل لبنان .. حماس السنية وشعب غزة يموتون من الجوع والألم وما رأينا منكم إلا إعراضا أو ألسنة حدادا ، وما نال حماس منكم إلا السب والشتم والكذب حين اقتحمت حدود الاستعمار لتوفر الأكل والشرب للسنة الذي يموتون جوعا .

لم لم يتذكر أحدكم حينها أنهم سنة .. يا حماة السنة ؟

ماذا فعلتم للسنة في العراق ؟ أخبرونا ماذا فعل السني حسني مبارك أو حتى السلفي عبد الله بن عبد العزيز أو سليل آل البيت عبد الله بن الحسين ؟؟ .. ماذا فعلوا وهم الآن يتباكون ويسخرون إعلامهم متحدثا عن الشيعة وخطر الشيعة وهلال الشيعة وكفر الشيعة وخطط الشيعة ومشاريع الشيعة ؟؟؟ .. أين مشاريعكم أنتم بالمقابل ؟  

بل الحقيقة التي تفقأ عيونكم وتحرق ألسنتكم أن هؤلاء هم من سهل للأمريكان ( أتحبون أن أصفهم بالحلفاء أم بالصليبيين .. ياحماة السنة ؟) احتلال العراق ، ومنذ كان الاحتلال بدأت المذابح .. وكان الذي يرفض الاحتلال هو إيران !! .. وسبحان الله .

من يلوم إيران ( الكافرة الفاجرة الشيعية الملحدة ) إن عملت بعد ذلك لمصلحتها وخططت كيف تستفيد من الاحتلال الذي دخل بقوة الأعراب السنة ؟؟

الآن .. تذكر الإعلام السعودي والمصري أن حزب الله شيعي وأخذ ينتحب على المسلمين السنة .. الآن !!

ولا والله ما أحب السنة ولا كره الشيعة ، بل السنة والشيعة أشرف منهم جميعا وأطهر .. بل خافوا على مقام الأمريكان وكلابه في لبنان .. وكل ما عدا هذا باطل يعرفه كل قارئ وكل كاتب .

أصبح من لا ملة له يشتم المجاهدين من حزب الله لأنهم شيعة .. وما أشك لحظة ، لحظة واحدة ، أن أصغر مقاتل في حزب الله - وما فيهم صغير - هو عند الله خير من هذه الكروش التي ذبحت الأمة وتسلمها لأعدائها على أطباق الذهب والفضة .

قد نشك أحيانا في نوايا حزب الله ؟ قد لا نقتنع ببعض تصريحاته ومواقفه ؟ قد يكون حزب الله يدا إيرانية ( وهذا ليس عيبا عندي ) .. لكن الذي لا يشك فيه كذلك أن زمرة 14 آذار هم عملاء الصليبيين واليهود من الأمريكان والإسرائيليين ، وتاريخهم - وإن كنا لا نحتاج على ما نرى دليلا من التاريخ - يفضح ويخزي .

وإذا كانت المعركة تدور بين الشيعة والصليبيين .. أو بين إيران وأمريكا ، فما لنا من حيلة إلا أن نرحب بكل ما يهدد وجود وسلطان ونفوذ أمريكا .. وهذا الترحيب والفرحة هي غاية ما نقدر عليه ، نحن العاجزون الساكتون حيث لا لنا قوة ولا خطة ولا مشروع .

عجيب هذا .. لا يقاومون نفوذ أمريكا ، ولا يعجبهم أن يتهدد نفوذ أمريكا بيد غيرهم .

انزعوا عنكم ورقة السنة ، فإنه لا ملة لكم ..

أيها المنافقون .. لعنة الله عليكم .

اقرأ : قليل من الابتهاج يأخذ لبنان لحرب أهلية - محمد شراب  ( والشكر للمهندس براء على الرابط )

اقرأ : أخرجوهم من قريتكم.. فكيف يتطهرون - الصارم الحاسم ( أفضل ما قيل في هذه الأزمة برأيي )

لستأاقول جديدا إن قلت إن الشعب المصري شعب مكبوت وعلى حافة الانفجار ، كل الناس يقولون هذا ..

لكن السؤال الذي لا يطرحه أحد ، غفلة أو كرها ، هو : فيمن سينفجر الشعب ؟ .. بأي اتجاه سيكون هذا الانفجار ؟

البعض من الناس فضل الانفجار داخل نفسه ، فبحث عن الانتحار .. منهم أيضا من فجر نفسه في نفسه وفي بيته فقتل أو ذبح زوجته وأولاده قبل أن يقتل نفسه أو يسلم نفسه للشرطة ، والحق أنه انفجار صامت وهو أهون شئ على المنتحر وألذ شئ على النظام .. انفجار - كما يقولون - يُرضي جميع الأطراف .

غير أن الأزمة أن كل الناس لا ترضى عن هذا النوع من الانفجار ، بعضهم يرفع راية الدين - إذ من مات منتحرا فقد مات كافرا - والبعض الآخر يخوض معارك الغابة بقوانينها التي تجعل البقاء للقوى ، وتجعل الضعيف فريسة .

اعتقد بعض الأصدقاء أني متشائم حين ذكرت أني لا أتوقع أن يتغير الحال في مصرإلى الأفضل إلا باحتلال أجنبي ، وصحيح أن الاحتلال كله شر ، لكنه ما صنعناه بأيدينا .. وصحيح أن الأفق لا يحمل نذير احتلال ، لكن هل كان العراقيون يتوقعون عام 2000 م أن الاحتلال على بعد 3 سنوات فقط منهم ؟ وهل كانوا إذ ينظرون إلى مذابح فلسطين وقتها يتخيلون أن الزمن لن يتحرك بهم إلا ثلاث سنوات حتى يكونوا في نفس المكان ؟؟

وإذن .. فمالذي يمنع أن تكون مصر هكذا بعد سنين ، أو شهور معدودات ؟؟ ولا أتخيل عاقلا سيجيبني بقوة الجيش المصري مثلا ، فالجيش وإن كان من الأمور الممنوع أن تناقش إعلاميا ، إلا أن كل بيت مصري فيه من دخل الجيش ويعرف إلى أي حد يمكن أن ننتصر ولو في معركة مع ناميبيا - كما قال لي صديق منذ أيام - .. كما لا أتخيل أن عاقلا يستبعد الاحتلال لأن النظام عندنا يعطي قبل أن يُسأل ، فإن العراق - كذلك - كان تحت السيطرة الأمريكية الكاملة منذ 12 عاما قبل 2003 وما أغنى عنه هذا شيئا .. دائما هناك لحظة يريد فيها صاحب النفوذ أن يحكم بيده لا بيد غيره .

هو توقع صادم ، لا أنفي هذا ، لكنني إذا قارنته بانفجار الشعب في نفسه وسريان حالة الفوضى العارمة .. فإني أفضل الاحتلال ، إنه سيوحد الناس على أية حال ويصرف جهودهم نحو وجهة واحدة معروفة ومعلومة ومحددة .. المشاهد الواضحة تُفضي إلى قرارات واضحة ، إنما حالنا الآن يجعل كل شئ في المنطقة الرمادية وبلتالي يجعل الشعوب مترددة لا تعرف ماذا تفعل تحديدا ، ولا تثق بحل من الحلول المطروحة .. كم مرة سمعت ” مفيش حل ، مفيش فايدة ، ربنا يحلها من عنده ، واحنا بإيدينا إيه …. إلخ ” ؟؟؟

أما حالة الفوضى العارمة .. فهي التي ستحرق الضعاف والمساكين ومن ليس لهم قوة ، ومن ليسوا قادرين على خوض معارك الغابة التي تزداد شراسة كل يوم ، الحالة التي ستقسم الشعب نفسه إلى طوائف متعاركة متشابكة متناحرة ، بل هي الحالة التي قد يبيع فيها صاحب الدين دينه ويتخلى الرجل الخلوق فيها عن أخلاقه لأنها تؤدي به إلى مزيد من الفقر والضنك وتجعله في معسكر الضعفاء المحترقين .. والكفر قرين الفقر ، أو كما نقول في مصر ” الجوع كافر” .

وفي حالة الفوضى ، لن ينتظر أحد نجدة من أجهزة الأمن ، بل أجهزة الأمن نفسها لن تحاول التدخل .. لأن قانون الغابة يفرض نفسه ، وهذا هو الحادث الآن في مناطق بعينها في مصر لا تحكمها الشرطة ولا تستطيع دخولها ، ويحكمها تجار مخدرات أو تجار سلاح بقوتهم ونفوذهم .. وتصل السلطتان ( الرسمية والفعلية ) دائما إلى توافق .. لا فرق بين الأن وبين مرحلة ما بعد النافجار إلا اتساع هذه المناطق .

وقد كنت قارنت بين وضعنا الآن وبين حالة مشابهة من التاريخ في أواخر العصر المملوكي .. فلم يكن الحل إلا الاحتلال ( كما كانت الحملة الفرنسية ) .. وكنت في حلقة نقاش ذات مرة فاستنكر علي أحد الناس هذا الحل فاقترحت عليه أن نطبق نظرية مالك بن نبي : ” قبل كل قصة استعمار توجد قصة شعب قابل للاستخذاء ” .

لقد اكتشف المثقفون - مثلا - أن محمد على طاغية مستبد منذ أوائل عهده ، وانظر ما قاله الجبرتي ، لكن أحدا من الناس لم يستطع أن يفعل شيئا وسارت قصة الطاغية تنسج قصة الشعب القابل للاستخذاء حتى أواخر القرن السابع عشر فوقع الاحتلال الإنجليزي عام 1882 م .

خلاصة الكلام ، أنه طالما يحكم المصريين مصري فسنبقى دائما في المنطقة الرمادية ، حيث لا يستطيع الناس أخذ قرار الثورة .. فإن حكمنا أجنبي إذا بك ترى أن الشعب وكأنه شئ آخر ، يهب كله - إلا عملاء موجودون في كل ملة وفي كل بلد - يقاوم المحتل .. وراجع معي أيام التاريخ ، ظلم المماليك في آخر أيامهم كان أشد من ظلم الفرنسيس في أوائل أيامهم ، أكل الشعب نفسه وقت المماليك وانفجر في داخله وقام في وجه الفرنسيس ، ولما رحل الفرنسيس وجاء العسكر العثماني ظلموا الناس أيضا ولم يكن رد فعل الناس إلا الشكوى يرفعها ممثلوهم للعسكر العثماني كعمر مكرم مثلا .. وانتهى الأمر بمايشبه الانقلاب عسكري الذي قام به محمد علي وحاز السلطة .

إنها من الملاحظات المهمة حقا تلك التي قالها المستشار والمؤرخ الكبير طارق البشري في كتابه ( الديمقراطية ونظام 23 يوليو ) .. إذ لاحظ أن الحركات الفارقة في مسيرة الشعب المصري في تاريخه الحديث صنعها الجيش لا الشعب باستثناء ثورة 1919 ، فقد صنعها الشعب ، وقد كان الجيش وقتها غائبا في أدغال السودان .. لكني أزيد على ملاحظة المستشار الكبير أنها كانت ثورة في وجه الاحتلال لا في وجه حاكم مصري ، ولا حتى في وجه الملك فاروق .. فما يزال قانون الانفجار الداخلي أمام الحاكم المصري ساريا حتى على ثورة 19.

وإذن .. فهل الأيام القادمة ستحمل لنا الاحتلال ؟ أم ربما كانت تتولد في السر قوة تستطيع الانقلاب وتغيير النظام ؟

وإن كنت أتمنى الثانية .. إلا أن المعطيات تسوقني نحو الأولى ، كل ما أتمناه أن يكون الاحتلال قبل أن يأكل الناس بعضهم .

صباح اليوم انتشرت قوات الشرطة وبالأخص شرطة المرور انتشارا كثيرا في مواقف السيارات في القاهرة ، عرفت من السائق - في طريقي للعمل - أن السائقين كانوا ينوون الإضراب بعد ارتفاع أسعار البنزين بالأمس .. وأن الشرطة أحضرتهم من بيوتهم ، وتم اتخاذ إجراءات تجبرهم على العمل ودون رفع الأجرة .

ارتفعت كذلك أسعار السجائر اليوم بشكل ملحوظ وهذا يمس - لحسن الظن أو لسوء الحظ .. لم أعد أدري - ملايين المصريين ، وارتفاع أسعار البنزين - كما بعلم الجميع - سيلقي بتأثيراته على أسعار كل السلع ، بما أكمل الخديعة التي أعلنها مبارك بزيادة الأسعار 30% .

على أية حال .. ترى هل يمكن أن يضرب السائقون عن العمل ؟ وهو الإضراب الذي لو حدث فسيهز مصر كلها بأعنف من أي إضراب آخر ..

أم هل نطمع في إضراب من المدخنين ؟؟

لا أجد أني بحاجة إلى الشماتة فيمن صدقوا مبارك وخديعته بشأن الزيادة .. لأن من صدقوا هم من طائفة من يلدغ من الجحر الواحد كل مرة ، وإذا لم تعلمهم تجربة 27 عاما ، فلن يعتبروا من خديعة جديدة .

1)

صباح الجمعة 25/4/2008 نشرت “المصري اليوم” بالخط العريض تصريحا لإسراء عبد الفتاح – التي هي أشهر من أن تعرف ، لكنها لمن لا يعرف فتاة الفيس بوك التي قادت الدعوة لإضراب 6 إبريل – يعلن أنها لم تسمع بإضراب 4 مايو ولن تسمع به ولن تشارك فيه .. وفي التفاصيل مزيد يقول إنها قد “أعلنت التوبة” .

في نفس اليوم تنفي إسراء أنها أعلنت التوبة في تصريحات لإسلام أون لاين . نت ، وتشرح التفاصيل .

المصري اليوم .. آآآه .. الخلية التي كانت نائمة واستيقظت ، منذ بدايتها إلى ماقبل عام ونصف تقريبا كانت المصري اليوم تحطم عروش الصحف اليومية – ولم يكن إذ ذاك إلا الصحف القومية – بما أنجرته من كفاءة مهنية وموضوعية في نقل الحديث وفتح صفحاتها لمختلف التيارات .. حتى رسخت أقدامها بين القراء المصريين ثم بدأت الخلية في العمل .

ليس سرا ، ولم يكن سرا في يوم من الأيام أن المصري اليوم تصدر بأموال رجال أعمال مرتبطين بالأمريكان ، واستطاعت كفاءتها أن تجعل القارئ يتجاوز هذه المعلومة ، حتى من تجاوزها على حذر وفي ترقب ..

حتى أبدت أنيابها كلها مرة واحدة ودفعة واحدة في قضية العرض الرياضي الذي حولته إلى ميليشيا عسكرية تستعد للانقلاب على النظام وإمساك الحكم .. ومنذ ذلك الحين ، ولم تعد المصري اليوم جريدة للقارئ المصري .

ما أشنع الكذب ، وأشنع منه السقوط .

2)

لم يشارك الإخوان في إضراب 6 إبريل .

توقع مقربون من الجماعة – ممن يظنون للجماعة قوة حقيقية في المعادلة السياسية – أنها صفقة أبرمتها الدولة معهم في مقابل الأحكام التي ستصدر بعد أيام على القيادات الإخوانية أمام المحكمة العسكرية ، وتوقع آخرون أن الجماعة لا يمكن أن تخاطر باستفزاز الدولة وفي قبضتها 40 قياديا ينتظرون بعد أيام حكم المحكمة العسكرية .

لم يرض المشاركون في الإضراب حتى من شباب الجماعة بهذا الموقف ، وحظي قرار الجماعة بانتقادات لاذعة .

لكن .. من يلوم الإخوان إن عملوا لمصلحتهم الخاصة ؟ ، ودعونا نشرح الموقف بكل صراحة دون أن نضع عليه أي أساليب دبلوماسية ، فليكن .. لنعامل الإخوان على أنهم جماعة يعملون لمصلحتهم الخاصة .

أعلن البعض عن إضراب في يوم 6 إبريل .. إما أنه يستطيع إنفاذ ما خطط له ، وإما أنه لا يستطيع أن يفعل هذا وحده .. فإن كان لا يستطيع فليذهب ليتفق مع حلفائه قبل أن يعلن .

أما أن يعلن البعض عن الإضراب ، فيجر الآخرين إلى تبني خطته ، ثم ينزعج ويثور لأن الآخرين رفضوا .. فهذا نوع من الخبل والجنون .. لقد رفض الإخوان وحق لهم أن يرفضوا ، لم يستشرهم أحد ولن يدفع معهم الثمن أحد .

ثم ترى مالمكاسب التي سيحققونها ؟

غاية ما في الأمر أنهم سيحظون برضا بعض الشباب وبعض المشاركين والداعين للإضراب .. وهو رضا موقوت ومؤقت ، مكسب – كما ترون – لا قيمة له ولا بجناح بعوضة في موازين القوي ومعادلة السياسة .. بل أتوقع أنهم ولو فعلوا ودفعوا الثمن وحدهم فسيعتبر الراضون أنها ضريبة النضال التي لا تستحق شكرا ، فلاشكر على واجب .

عاملوا الإخوان على أنهم حزب له أجندته وله خطته وله حساباته .. وهو – كسائر الأحزاب بل كسائر الناس – يستخدم حال الوطن المنكوب في الترويج لأفكاره الإصلاحية .. أما اعتبار الإخوان كأنهم ملاك الرحمة أو مارد علاء الدين الذي يجب أن يظهر في كل موقف يُحتاج إليه فيه ويتحمل وحده بطش الطغاة فهو ظن خارج من صفحات روايات الخيال القديمة ، مع ملاحظة أن الإخوان لا يمتلكون أجنحة الملائكة التي تسد الأفق ، ولا قوة المردة وخدام المصباح .

3)

أكبر دليل على إن إضراب 6 إبريل كان ناجحا ومؤثرا هو العدة التي تعدها الدولة لإضراب 6 مايو .

بدءا من استخدام المؤسسات الدينية ، الأزهر والكنيسة .. وانتهاء بشعبان عبد الرحيم .

غير أن أكبر دليل  عندي على صرامة الدولة تجاه إضراب 4 مايو هو إعلان كل “القوى” السياسية بما فيها حركة كفاية ( التي كان الاحتجاج مبرر وجودها وسمتها العام ) وحتى حزب الغد ( الذي لم يعد لديه ما يخسره ) أنها لن تشارك في الإضراب .. يبدو أن رسائل الأمن كانت جادة وحادة ولاتدع مجالا لمواقف رمادية ، فأعلن الجميع أنهم لن يشاركوا رغم تعاطفهم وتضامنهم مع الإضراب .

وقد وضع الإخوان أمام مشاركتهم في أي إضراب أربعة شروط .. كلها تعجيزية .

كلهم متضامنون لا يشاركون .. يذكرني هذا بإعلان قديم حفظناه من التليفزيون المصري يناشد المواطن بالتبرع لصالح اليتيم أو كفالته فيقول : ” تعاطفك لوحده مش كفاية ” .

على أية حال .. هو درس للشباب المتحمس يخبرهم أن مايسمى “القوى السياسية” كل منها له حساباته ، ومن نزل منهم إلى الشارع أو احتج أو تظاهر فإنما يفعل ذلك لوجه حساباته لا لوجه الوطن ، وأنا والله لا ألوم أحدا ، إنما لمجرد توضيح أن الجيل الجديد من المناضلين يجب ألا يعول لا كثيرا ولا قليلا على “القوى السياسية” .. كما يجب أن يلومهم أيضا .. يجب فقط ألا يضع منهم أحدا في حساباته .

4)

الإخوان .. لا يغضبون أبدا !!!

حتى في لحظات الغضب .. بعدما نطق بالأحكام العسكرية التي لم تحدث في مصر منذ عهد عبد الناصر .. لم يغصبوا !!

اللحظة التي تحتمل ان يرتفع فيها سقف خطابهم ، وحدة لهجتهم .. لا يستغلونها . الوقت الذي يمكن فيه أن يسيئوا للمحكمة وللعسكر ولسائر أركان النظام دون أن يفسر هذا إلا على أنه لحظة غضب وكلام المظلوم المقهور الذي لا يؤاخذ عليه ولا يؤخذ به .. لم ينتفعوا به .

جاء ردهم أبرد من الماء المثلج !!

بل كتبت بعض المقالات الساخرة جدا في ثوب المقالات الجادة ، وشر البلية ما يضحك .

كتب أحدهم قائلا : “إن انتقام الإخوان المسلمين هو مزيد من الصبر والثبات والعمل الدؤوب” قفز إلى رأسي مشهد محمود عباس وهو يقول ، مهما كانت الاعتداءات فالسلام هو الخيار الاستراتيجي ، وسنرد عليها بالمزيد من المفاوضات .

وقال كذلك : ” كل شاب يبكِّر لصلاة الفجر ويثبت قدمه في الصف الأول يشكِّل صفعةً ساخنةً جدًّا على قفا ضابط أمن الدولة العريض” .

والحق يا عبد الحق أنه استنتاج مهم ، وما دمتم تستطيعون الصفع بصلاة الفجر ، فما أدخلكم غابة السياسة ؟ .. دعوا السياسة ، وقوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله !

5)

قال ول ديورانت في قصة الحضارة نقلا عن الإمام ابن حزم قوله : ” يجب أن لا تثير أوهام بني الإنسان عجباً، فإن أكثر الأمم عدداً، وأعظمها حضارة تستحوذ على عقول أبنائها هذه الأوهام…فالمسيحيون من الكثرة بحيث لا يحصي عددهم إلا الله وحده. وبوسعهم أن يباهوا بمن فيهم من ملوك حكماء وفلاسفة نابهين، ولكنهم مع هذا يقولون. إن الواحد ثلاثة والثلاثة واحد، وأن أحد هؤلاء الثلاثة الأب والثاني الابن، وإن الإنسان إله وليس إلهاً، وإن المسيح قديم وجود من الأزل، ومع ذلك فهو مخلوق، ومنهم فرقة تسمى اليعاقبة، تبلغ عدتها مئات الآلاف تعتقد أن الخالق مات وصلب وقتل، وأن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، والفلك بلا مدبر ” ( قصة الحضارة / عصر الإيمان /الحضارة الإسلامية / الإسلام في الغرب / الإسلام في إسبانيا / الحضارة في بلاد الأندلس الإسلامية / ص 4738) .

هذه عبارة تكتب بماء الذهب حقا ، وهي أغلى من كل ذهب .

أحيانا تجد موفور العقل يجادل عن لاشئ ، ويبذل في هذا الجدال خلاصة عقله ممزوجة بها خلاصة روحه .

تذكرت عبارة الإمام ابن حزم حين كنت أحدث صديقا قديما أعرفه منذ أوائل أيام الدراسة ، وهذا الصديق هو مدرسة بكل معنى الكلمة ، لا أنكر أني تعلمت منه الكثير ومازلت أرمقه بإعجاب وإجلال حتى اللحظة ، ولا يختلف اثنان على حدة ذكائه وسرعة بديهته وقوة شخصيته وجاذبيته الاجتماعية .

كنت أناقشه فيما كتبت مؤخرا عن منهج الإخوان في التغيير .. وقد اختلفنا في كل الموضوع تقريبا ، أشد ما أذهلني أني وجدته مقتنعا إلى حد الإيمان بأن حصول الإخوان على 88 مقعدا في مجلس الشعب هو مؤشر مهم على أن الإصلاح قريب وعلى أن تربية الجماهير وحدها تستطيع إحداث التغيير . سألته : هل معنى ذلك أن فشلهم في الحصول على مقعد وحيد في مجلس الشورى دليل على انتهاء منهج الإصلاح وأن الجماهير قد تخلت عن حلم التغيير ؟ نفى ذلك بالطبع .

واستمر بيننا الحوار عبر الانترنت .. إنما أذهلني أن ذلك العقل شديد الذكاء لم ير ما هو معروف كالشمس ، من أن أمريكا هي من أجبر النظام على انتخابات شبه نزيهة في مرحلتها الأولى ، وهو من ترك للنظام فعل ما يحلو له في انتخابات الشورى .. وهذا وحده هو ما أنتج هذا الفارق .

ربما كان علينا جميعا أن نراجع ما نعتقد أنه حقائق مفروغ منها .. وحقا : ينبغي ألا تثير أوهام بني الإنسان عجبا .

6)

العمل المفيد وأنواع التوحيد !

مازالت ثمار حملة الداعية المبدع الموهوب عمرو خالد بشأن مكافحة المخدرات تتوالى .

لقد سد هذا الرجل ثغرة في العمل الدعوي الإسلامي ، وهو الوجه الإصلاحي الذي يستثمر طاقات الناس المليئة بالخير دون أن يصطدم بها مع الدولة .. والحق أنه مصطدم لا محالة ، وقد عانى ما عانى ، ولاشك أنه الآن يعاني .

لكنه على أية حال سار في الطريق الذي لا يختلف عليه أحد من الناس ، وإن رفع الشعار الذي يمكن الاختلاف حوله ، شعار : التنمية بالإيمان .. فالإيمان في بلادنا لا يعجب “أولى الأمر ” وعمالهم .

عمرو خالد يكافح المخدرات .

وفي منطقة تعج بالمخدرات ، شاء الله لي أن أدخل مسجدا أدركتني عنده صلاة العشاء .. منطقة شعبية وربما كان هذا المسجد أكبر مساجدها . بمجرد أن دخلت صدمني عند المحراب لافتة تقول : “ممنوع التصوير” ، وأغلب الظن أنه يقصد تصوير الفيديو للشيخ الذي يعطي الدرس .

بعد الصلاة قام شيخ ، وهو شاب في أواخر العشرينات ، وأخبر بأن اليوم هو درس العقيدة .. ولخبرتي بالجو العام الذي يوحي بسلفية متشددة قمت منصرفا .. يعلم الله ، أن زمن قيامي حتى خروجي من المسجد كان الشيخ فيه قد تحدث في أهمية العقيدة ومعنى التوحيد ومعنى الصفات ، وبدأ يشرح في الخلاف بين المتكلمين في هل الصفات هي الذات أم أنها مغايرة للذات أم بينهما .

ونظرت حولي مندهشا فلم أجد إلا وجوه البسطاء الذين أكاد أقسم أنهم لم يفهموا ووربما لم يسمعوا من قبل عن الصفات والذات وهل هما واحد أم لا ؟؟
وعلى غير بعيد من المسجد كان شباب يتداولون المخدرات .

رحم الله عمر بن الخطاب قال : ” كانت لنا عقول ولم تكن لنا هداية ” .

7)
قد فاض بي الكيل حقا ..

إن أتاكم نبأي وقد ضربت ذا لحية رأيته يشرب البيبسي والكوكاكولا مستمتعا ، فصدقوا .

قبل أيام كدت أفعلها لما رأيت الشاب الوديع المبتسم ذا اللحية المهذبة والبنطال القصير يسحب من ثلاجة السوبر ماركت “واحد فانتا” .. ويأخذها ببساطة وعلى وجهه يبدو الاستمتاع .

حقا .. لحية كاذبة خاطئة !

الصفحة التالية »