قضايــا فكريـة


ما حدث في كأس الأمم الإفريقية يكشف الكثير من الأشياء، وكعادة كل حدث ينظر إليه الناظر من الزاوية التي تشغله وتؤرقه، وحيث أن كاتب هذه السطور ينسب نفسه إلى الإسلاميين، وإلى المنشغلين بالإصلاح، فمن هذه الزاوية كان النظر، وكان الاكتشاف.

ولست أقول بأنه اكتشاف جديد، بل أقول دليل جديد يضاف إلى ما سبق وكتب في الموضوع (انظر: الكرة وصناعة المعركة، المجتمع الإسلامي المشوه، الحركات الإسلامية تراجع وانسحاب أم عودة للتربية، ولكم في الكرة عبرة)

والخلاصة التي دائما ما أعجز عن طرحها بصيغة دبلوماسية (وهذا اعتراف بنقطة ضعف خطيرة لدي) هي أن الشعوب الآن ليست في حاجة إلى تربية بقدر ما هي في حاجة إلى قائد يعبر عنها، يستطيع هذا القائد بما تتيحه له الدولة الحديثة من وسائل أن يعيد صياغة الشعوب؛ اهتمامتها تطلعاتها طموحاتها مشاريعها، نحو ما يحقق لها الأمل الذي طالما عاشت تتمناه.

مع كل الأسف لأن معنى الوطنية والقومية والنصر الكبير انحصر في إطار الكرة على الملعب، حتى صرنا نخاصم العرب والمسلمين ونعاديهم لأجله، إلا أن الحقيقة الهادرة هي أن تلك الشعوب تحب بلادها حقا وحقيقة، ولا تستنكف بل ولا تتردد أن تحترق مشاعرها وعواطفها في تشجيع بعض “المليونيرات” الذين يلعبون الكرة. والذين سيحصدون وحدهم كل الجوائز والمكافآت، بينما الذين احترقوا هم الفقراء الذين لن يغير الفوز من حالهم شيئا.

الشعب المصري، والشعوب العربية التي احتفلت له، يعبر عن تفوق قيمي حقيقي حين ينسى تماما أنه يحترق من أجل مجموعة من الأغنياء يلعبون بالكرة، لا يوجد مجرد التفكير في الفارق الطبقي ولا الحقد الاجتماعي تجاه هؤلاء، بل هم –والحال هذا- يسكنون القلوب بالفعل.

هل نحتاج لأن نقارن بين حب الناس للكرة، وحبهم للإسلام وللدين وللقدس وللنبي وللصحابة وللإصلاح وللنصر على إسرائيل؟

كانت الكرة وما زالت حتى هذه اللحظة اهتماما هامشيا في حياة المصريين، صحيح أنه يتضخم ويسكن بؤرة الاهتمام كثيرا، لكنه في نهاية المطاف أمر عابر، ما يلبث أن ينشغل الناس عنه، تماما مثلما لا يشعر أحد بمنتخب كرة اليد إلا حين بروزه في مسابقة دولية، وتماما مثلما لا يهتم أحد للكرة الطائرة أو كرة الماء أو البنج بونج. يمكنهم فعلا أن يهتمون في حالة واحدة .. النصر .. حتى حين يبرز لاعب اسمه أحمد برادة في لعبة لا يعرف اسمها نصف المصريين على الأقل “الاسكواش” يبدأ الناس في الالتفاف حوله.

لكن الدين عميق في وجدان الناس مهما كان حاله وحال أتباعه، والشعوب المسلمة تعبر بتميز نادر عن اعتناق مؤكد يبدو أنه لا ينتهي أبدا، سواء كان أهل الإسلام في المقدمة أم كانوا هم المستضعفون في الأرض.

وبرغم كل الضغط على الدين ما تزال تقاوم الشعوب وتتمسك، بغض النظر الآن عن رضائنا عن مستوى التمسك به، ففي النهاية لدينا محصلة تقول: أن الناس لا تريد سوى الإسلام، ولم تنتخب أبدا سوى الإسلاميين.

وقضية كالأقصى وفلسطين والعراق وأفغانستان، هي قضايا غير منسية، وما إن تثار حتى تظهر المعادن الحقيقية لهذه الشعوب. والكل رأى كيف ينتفض الناس للإساءات للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) باتجاه دولة بلا تاريخ عدائي –تقريبا- ولا واقع عدائي مع المسلمين.

السر الذي ينبغي أن تلفت الحركات الإسلامية له يسمى .. الإعلام.

والمنظومة التي تفرز الإعلام تسمى .. الدولة.

الإعلام هو الذي استطاع أن يجعل الوطنية محصورة في الكرة، وهو الذي يجعل الجزائر أشد الناس عداوة للمصريين، وهو الذي يجعل جدار فولاذيا لا يُشك في أنه خيانة للدين والوطن والأمة، يجعله من حقوق السيادة والكرامة والشرف، وهو الذي يجعل الرقص فنا، والإباحية تحررا، والخلاعة “موضة” تواكب العصر.. هل نحتاج لأن نزيد؟

إن الخروج التلقائي للمصريين، ولكثير من الشعوب العربية، فرحا بفوز المصريين ببطولة كرة يلفت النظر إلى أن الإعلام –وليس التربية- هي ما تحتاج أن تمتلكه الحركات الإصلاحية.

ولو كانوا لا يستطيعون لأن وحشا يسمى الدولة هو من يملك الإعلام، فلابد أن يفكروا في أن يمتلكوا هذه الدولة، وهم أحق بها وأهلها. لا أن ينتظروا من الشعب الذي يلعب به الإعلام أن يستيقظ فجأة .. أو حتى بعد مائة سنة من التربية (والتي تتم بوسائل غاية في الضعف وتحت السيطرة)، ليرفعهم -رغم أنف الدنيا- إلى الحكم.

طغت على اللغة الإعلامية المنتشرة الآن لغة الاتهام والهجوم، وطبيعي أن تلك السهام وهذا الهجوم ستتجه إلى الطرف الأضعف في معادلة القوة، خصوصا والإعلام بطبيعته تعبير عن الطرف الأقوى، فلذا وبرغم أن الأمة تنتشر فيها المصائب والمشكلات كطابور يبدأ من الفقر والمرض وانحطاط كرامة الفرد ويصل ذروته بالاحتلال وفقد السيادة، إلا أن اللغة الإعلامية إذا كان ثمة هجوم فهو على الشيوخ “المنغلقين” أو المقاومة “العبثية” أو على جماعة -لا تملك إلا أن تعد عدد معتقليها- بخصوص نظرتها في “تولى المرأة والأقباط رئاسة البلاد”.. هذا برغم أن الاحتمال يبدو مستحيلا.

ما ينبغي أن يلتفت إليه الدعاة والإصلاحيون والمجاهدون أمام هذا الهجوم المقصود، هو ألا ينجروا للدفاع عن أنفسهم، والاضطرار إلى “شخصنة الموضوع”. أليس يبدو مثيرا أن الإعلام غير الإسلامي يقف بكامله رافعا قميص فلان وفلان باعتبارهما “رائدا الإصلاح والتنوير” -اللذان يقصيهما “الجناح المحافظ”- فيهاجم بهذا القميص الحركة الدعوية كلها؟

لقد سجل القرآن الكريم حوارا بين موسى (عليه السلام) وفرعون، وحاول فيه فرعون بكل وسيلة أن يخرج من حوار الفكرة إلى اتهام الشخص، ولكن موسى (عليه السلام) استطاع في كل مرة أن يعيد الحوار إلى الفكرة وأن يتجاوز محاولات “الشخصنة” هذه حتى انتصر.

لقد جاء موسى برسالة واضحة إلى فرعون (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء : 16 ، 17].

ورغم أن فرعون يضطهد بني إسرائيل ويعذبهم، ورغم أن موسى لا يطلب منه لا ملكا ولا سيادة ولا إعطاء الناس حقوقهم، بل فقط أن يسمح لهم بالخروج من هذه الأرض. إلا أن فرعون ترك مضمون الفكرة (الرسالة، وإخراج بني إسرائيل) وقال مهاجما موسى: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ).

فكانت أولى محاولات “شخصنة الموضوع”، لكن المشكلة الحقيقة أن موسى فعلا ارتكب هذه الأخطاء في حياته السابقة، وقد وضع الآن في مأزق الفضل، كما وضع في مأزق “البدعة” فلقد لبث سنينا من قبل دون أن تخطر له هذه “الأفكار الدخيلة”.

فكان أن دافع موسى عن نفسه دفاعا بليغا وقصيرا، ولم ينه جملته حتى عاد بالحوار إلى موضوع الرسالة: صحيح أني فعلت هذا حين كنت ضالا (ولست كافرا أو جاحدا) ولهذا هربت خائفا لعلمي بأنه لا عدل في الحكم. قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ).

وهنا انتهى دفاع موسى عن نفسه، ولكنه لم يتوقف هنا أبدا بل عاد بالحوار إلى المضمون: وبعدها وهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين. لكن هل هذه نعمة تتفضل بها علي وما حدثت إلا لاضطهادك بني إسرائيل الذي جعل أمي تلقيني صغيرا في النهر ثم جعلني اهرب خائفا من الظلم؟ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)

فاضطر فرعون أن يعود إلى الفكرة ولكنه قفز على اضطهاده لبني إسرائيل وسأل عما ظن أنه يمكن أن يجادل فيه (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)؟

فأعطاه موسى جوابا واضحا وعمليا ولم يحاول تقديم “تعريف نظري” أو أن يصف الله بما يمكن أن يدعيه فرعون (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).

وحاول  فرعون –بلهجة ساخرة- ترك حوار الفكرة والرسالة والاستعانة بمن حوله (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ) فلم يمهل موسى أحدا بل زاد في وصف الله بما لا يمكن أن يدعيه لا فرعون ولا أحدهم (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ).

فعاد فرعون إلى “شخصنة” الحوار واتهام المتحدث (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) ولكن موسى لا يدافع عن نفسه الآن ولا يلتفت لهذه المحاولة بل يستمر (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).

وهنا لم يعد أمام فرعون إلا أن ينهي الحوار، وينتقل من قوة المنطق إلى منطق القوة (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، فتأخذ الرسالة مرحلة أخرى، وهي مرحلة التحدي بالمعجزات والدخول في المواجهة.

إن معايشة هذا الحوار، وطريقة فرعون في إصراره على مهاجمة الشخص، لتؤكد بأنه منهج مستمر في تشويه المصلحين، تشويه يصل إلى استعمال كل الوسائل الدنيئة حتى التعيير بما لا سبب لهم فيه كاستهزاء فرعون بثقل لسان موسي (عليه والسلام) وقلة فصاحته حين نادى في قومه (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) [الزخرف : 52].

وعلى أية حال، فإن كان أهل الباطل استفادوا من منهج فرعون مباشرة أو عبر ما توحيه إليهم شياطينهم فعلى أهل الحق أن يستفيدوا من نبي الله موسى (عليه السلام)

نشرت في الألوكة و قصة الإسلام

في موضوع السيادة المصرية على الحدود تبرز أمور كثيرة مثيرة للدهشة، غير أن أكثرها إدهاشا –عندي على الأقل- هي تلك الحماسة الهادرة في الحديث عن تاريخ مصر وحضارة مصر وعراقة مصر، ومصر منذ فجر التاريخ… إلى آخره.

ثم حماسة أخرى لا تقل قوة عن أختها “التاريخية” في الدفاع عن “الحدود المصرية” التي صارت تمثل كل معاني السيادة والكرامة والشرف، إلى الحد الذي شعرنا معه وكأن مجرد المساس بهذه السيادة هو عمل لا يمكن غفرانه بل هو جريمة شرف لا يمحوها إلا الدم وكأننا عدنا إلى عصر داحس والغبراء وحروب الجاهلية القديمة.

ودعك الآن من أن كل هذه المعاني لا تنصرف إلا للحدود مع قطاع غزة، وكأن الحدود مع السودان وليبيا وإسرائيل لا تسمى حدودا. ثم دعك أيضا من هذا “الانتهاك” (ياللهول!) هو أنفاق تحت الأرض، بل هي أبسط أنواع الأنفاق من حيث التجهيزات والإمكانيات المتواضعة.

الحماستان هادرتان .. ومتلازمتان، وتقرأهما معا في نفس المقال، وتسمعهما معا في نفس البرنامج ومن نفس المتحدث.. وبنفس الحماسة.

المثير للدهشة، بل المفجر للذهول، أن مصر التاريخ والحضارة والعراقة والفراعنة .. وحتى مصر عبد الناصر لم تكن حدودها تتوقف عند رفح أبدا، وأكاد أقول إن مصر لم تتوقف عند رفح أبدا وعبر كل تاريخها إلا بعد التقسيم الاستعماري الشهير الذي رسم حدود الدول العربية فقسم بلادا قديمة وأنشأ بلادا جديدة، ومن الطريف أن قسمها على الورق أولا لا على الأرض. فصارت خريطتنا العربية ممتلئة بالخطوط المستقيمة التي هي واقعيا تقسم القبيلة الواحدة والعشيرة الواحدة والقرية الواحدة.

وهذا ما حدث عند رفح، فصارت لدينا رفح مصرية وأخرى فلسطينية .. هكذا ببساطة!!

أي أن حدود مصر “المقدسة” صُنعت لها ولم تصنعها هي، أي أنها حدود تعبر عن مرحلة من “العار” والضعف والهزيمة والعجز، بما يجعل من ضروريات العراقة والحضارة والتاريخ والسيادة والكرامة وسائر المصطلحات المتحمسة أن تتمرد على هذه اللحظة التاريخية الضعيفة التي صنعت لنا الحدود.

أو ربما لدينا حل آخر مناسب.

أن نوافق ونرضى ونقر بهذه الحدود “المقدسة”، ونعتبر أن كل هذا التاريخ والعراقة والحضارة وأمجاد الفراعنة والفاطميين وحطين وعين جالوت ومحمد علي كانت “خروجا” عن هذه الحدود “المقدسة”، وبالتالي فهي كلها “تعديات” على سيادة وكرامة دول أخرى كثيرة.

فالفراعنة الذين وصلوا إلى آسيا الصغرى ومنابع النيل كانوا غزاة محتلين، لا سيما رمسيس الثاني الذي كان أكثرهم غزوا واحتلالا، وكذلك الفاطميين الذين حكموا مصر والشام والحجاز، ثم الأيوبيين الذين حكموا شمال إفريقيا حتى تونس وحكموا جنوبا حتى اليمن بالإضافة إلى بلاد الشام والسودان طبعا، وكذلك المماليك وكذلك محمد علي.

نستطيع أن “نقدس” حدودنا مع رفح، فقط إذا حذفنا كل تاريخنا أو رفضناه. من العظيم أن نكون ذوي مباديء واضحة وأن نكون منسجمين مع أنفسنا، إما أننا الحضارة والتاريخ والعراقة فيصبح تقسيم بلادنا بل تقسيم قرية رفح (التي كانت دائما مصرية) هي لحظة ضعف تاريخية يجبرنا التاريخ والحضارة على التمرد عليها.

وإما أن تاريخنا كله اعتداءات وتعديات واحتلالات فنحن نتقدم بالاعتذار لكل هذه الشعوب التي انتهكنا سيادتها وكرامتها وهددنا لها “الأمن القومي”.

أما أن يتحمس الشخص ذاته، في المقال الواحد، في السطر الواحد، للتاريخ والحضارة والعراقة ولحدود رفح المقدسة، فهذا عسير في الفهم، عويص حتى على منطق أرسطو ..

ودع الآن جانبا قضية القيم الإنسانية والأخوة ومصطلحات القومية والعروبة والأشقاء.

 

هذا الوصف أطلقه من قبل الأستاذ عمر التلمساني عن الأستاذ الإمام “حسن البنا” أستاذ عصره، والعلامة الكبرى في الحركة الإسلامية الحديثة في كتاب هذا عنوانه (حسن البنا .. الملهم الموهوب)، وهو من أفضل الكتب التي تلمس تلك المناطق العميقة في شخصية المجدد.

لا أحسب شابا من الإسلاميين لم يَدُر في ذهنه في هذا العصر تساؤلات أو آمال عن المجدد الجديد الذي اقترب زمانه، وأعرف كثيرا كان يؤمل أن يكون هو هذا المجدد، وبعضهم رأى من مواهبه وطاقاته ما لا يصلح بها إلا أن يكون “الرجل الثاني” -كما تقول قاعدة بيتر الإدارية- فتمنى أن يكون مساعد المجدد.

ومنذ بدأت الاستماع إلى عمرو خالد، أو بالأحرى مشاهدته، وتباشير المجدد تتكون عندي، إلى أن كان برنامج “صناع الحياة” منذ ست سنوات، ومن ذلك الوقت أعتبر أن عمرو خالد هو مجدد العصر، وهو في كل يوم يتفوق على نفسه ويشق مساحات دعوية جديدة بأفكار وأداء غاية في العبقرية والكفاءة والاحتراف، وهو –بحق- ثورة في عالم الدعوة، وقفزة هائلة في مسيرة الإصلاح، ولون جديد تماما على النسيج الإسلامي. وهو لون يثبت فعلا أن هذه الأمة قادرة دائما على الإبداع وإفراز العبقريات الفريدة التي تلتمس أصولها وتبتكر في فروعها.

وما بين حسن البنا وعمرو خالد أوجه شبه كثيرة.

فالسحر الذي يتحدث عنه معاصروا البنا شبيه بهذا السحر الذي يشعر به جمهور عمرو خالد. وعلى الأقل فأستطيع أن أحكي هذا عن نفسي، وقد بدأت بالتعرف على الإسلام والإسلاميين من قبل ظهور عمرو خالد، وفتنتي حقا شخصية حسن البنا. وكنت أتعجب من عبارات من يغلب عليهم الاتزان والموضوعية والبعد عن المبالغات حين يتحدثون عن البنا. ولا أزال أتذكر كيف كنت أتعجب من الشيخ القرضاوي ذلك الفقيه الرصين كيف يتحول إلى وَلِهٍ محب حين يتحدث عن البنا، كذلك الشيخ الغزالي رحمه الله وهو أبعد ما يكون عن تقديس الأشخاص أو الافتتان بهم، وكذلك سيد قطب ومحمد قطب، وأبو الحسن الندوي .. وجموع كثيرون.

ولقد تعجب مثلي –أو تعجبتُ مثله- الصحفيُّ الذي كان يأخذ من الأستاذ عمر التلمساني ذكرياته التي تحولت فيما بعد إلى كتاب (ذكريات لا مذكرات) حين أخرج الشيخ الوقور من حافظته ورقة قديمة بخط حسن البنا وهو يقول آسِفًا قولة محب عاشق: “هذا كل ما تبقى لدي من تراث الإمام”.

ثم هذا التجديد الذي أتى به حسن البنا، ما أشد شبهه بالتجديد الذي يصنعه اليوم عمرو خالد. وفي كتاب الأستاذ محمود عبد الحليم (الإخوان المسلمون .. أحداث صنعت التاريخ) ينتشر شعور قاهر بأن حسن البنا كان يتحدث عن الإسلام كما لم يتحدث عنه أحد من قبل، فكأنه يقول شيئا جديدا تماما بما يجعل هذا الطرح الجديد آسِرًا وجاذبا للمستمعين.

من ينكر الآن أن عمرو خالد –وبحق- يتحدث في الإسلام بما لم يسمعه الناس من قبل، إن هذا يبدو في تمام الوضوح في الشباب الذين عادوا إلى الالتزام تأثرا به، ولكنه موجود كذلك وبوضوح في الشباب الملتزم منذ ما قبل عمرو خالد –لو صح التعبير-، فإنه يتحدث كما لو كانت الأفكار المختبئة لا تتكشف إلا له، ثم هو يستطيع إخراجها في ثوب مدهش من السلاسة والوضوح والبساطة و … العملية.

ولئن كان حسن البنا قال وافتخر “نحن قوم عمليون”، فلا أحسب أحدا من دعاة وقتنا المعاصر هو –في هذا الجانب- يستطيع أن يجاري، ولا أقول ينافس، عمرو خالد.

وما أشد حسن البنا وعمرو خالد شبهًا في “غرس الأمل”.

يُحدِّث المعاصرون لحسن البنا كيف أن “حديث الثلاثاء” كان طاقة روحية هائلة يُشعل الجموع المستعمة ويحولها إلى تيارات أمل وعمل وبذل وجهد، حتى إن الشيخ القرضاوي يتعجب من أن البنا لا يجري عليه الفتور الذي يجري على جميع الدعاة، فهو دائما في نشاط وهمة، وهو دائما قادر على بث الروح في نفوس من حوله.

وكذلك عمرو خالد، الذي يبدو وكأنه لا يفتر، ولا يكل ولا يمل، وبرامجه خصوصا تلك التي يغلب عليها الطابع العملي وأبرزها “صناع الحياة” استطاعت فعلا تحويل قطاعات من الشباب إلى طاقة زهر –بتعبير الشيخ الندوي- وضخت في مسيرة الإصلاح دماء جديدة ومساحات جديدة، وأكاد أقول إن الجمعيات الخيرية شهدت ثورة في العدد وفي مجالات العطاء.

وإنه ليبدو أن برنامجه الأخير “مجددون” -الذي أذيعت منه الحلقة الأولى فقط حتى كتابة هذه السطور- هو قفزة أخرى وهائلة كالعادة في إثارة هذه الروح.

سيرى الشباب كيف أن شبابا مثلهم –أو أصغر منهم- يستطيعون قيادة أعمال وإنجاز مهمات تبدو لكثيرين منهم فوق الخيال، وكفى بهذا قدوة ومثلا ومفجرا لروح النشاط والحركة والعطاء.

إنها الفكرة المبتكرة التي تواكب عصرها، ولكنها تسبق عقول جيل العلماء والدعاة، وستظل مجرد الفكرة نفسها موطن صراع وهجوم عنيف من قطاعات واسعة من الإسلاميين، وهو هجوم سيكون منصبا بالأساس على إثبات فشل الفكرة وعدم شرعيتها، لا على تطوير الفكرة أو وصف كيف يمكن أن تكون شرعية.

ومما يزيد في احترامي لعمرو خالد أنه يعلن أنها ليست فكرته، بل فكرة د. محمد يحيى، أي أنها فكرة تبناها وتطورت خلال المناقشات وورش العمل، وليست من بنات أفكاره. والعاملون في الساحة العلمية والبحثية يعرفون كيف أن الساحة مبتلاة بالسرقات العلمية، وكيف لا يتورع بعض الناس عن التضخم على حساب الفقراء من الشباب المبتكرين والمجتهدين.

ومن أوجه الشبه بين حسن البنا وعمرو خالد ما يُسمى “صناعة المدرسة”، وهذا ما يسميه الدكتور عمارة سر تفوق حسن البنا على من سبقه ومن تلاه من “أعلام الإحياء الإسلامي” –والتعبير له-. ذلك أنه استطاع أن يحول الفكرة الإصلاحية إلى تيار شعبي فاعل في واقع الحياة.

وقد بدا هذا من عمرو خالد منذ برنامجه (دعوة للتعايش)، وصرح به بوضوح لدى كلامه عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، الذي لم يترك مؤلفات مكتوبة ولكنه ترك مدرسة. ولقد تحول عمرو خالد فعلا إلى مدرسة. لا أقصد هنا المدرسة الفكرية، بل أقصد التيار العملي، وإن كان عمرو أيضا مدرسة على المستوى الدعوي أيضا، وهو البداية الحقيقية لمن أطلق عليهم “الدعاة الجدد”.

منذ زمن يصرح عمرو خالد بأنه يشعر أنه لن يعيش طويلا، وشخصيا أصدق هذا وأتوقعه، لقد قال الصحفي الأمريكي روبير جاكسون “إنه الشرق .. لا يستطيع أن يحتفظ طويلا بالكنز الذي يقع بين يديه”، ولقد قالها معلقا على اغتيال حسن البنا.

فهل يستكمل التشابه بينهما في الحياة مسيرته ليخط تشابههما في الوفاة، أتمنى من كل قلبي ألا يحدث، وأن يستطيع الشرق تعلم الدرس والاحتفاظ بالكنز الذي يقع بين يديه. ولكن، على أية حال فإن وُفَّق عمرو خالد في برنامجه (مجددون) فأحسب أنه سيكون قد استكمل رسالته الدعوية.

بعض الكلمات صارت بلا طعم ولا معنى، خصوصا حين تتكرر على ألسنة السفهاء والعملاء والمنافقين، ولكي أكون واضحا فأنا أعني بهم رجال النظام في مصر ثم منافقيهم.

ومن أغرب هذه الكلمات “الوطنية” “السيادة” “الأمن القومي” “كرامة مصر”، هل يستطيع أحد أن يعرف لي معنى “كرامة مصر”؟ أو حتى معنى كلمة “مصر”؟

أنا شخصيا لا أجد لأي أحد مبررا لأن يفخر بشيء لم يختره أساسا، صحيح أني سعيد الحظ جدا لأني ولدت لأم فاضلة طاهرة ولأب شريف مكافح لم ينافق أحدا لكنه شيء لا يستدعي الفخر، إذ أني لم أختر هذه الأم وهذه الأب وقد كان من الممكن أن أولد لأم تعمل راقصة وتنام كل يوم في فراش رجل جديد، أو لأب لا يفيق من الخمر ولا يتردد في بيع أطفاله ليواصل لعب القمار.

لكنني أستطيع أن أفخر بما أختاره، وبما أفعله، وبما أحققه.

وعلى هذا فلئن كان من حسن حظي أني ولدت مصريا باعتبار أن هذه البلد كانت يوما ذات مكانة وتاريخ، فإنه يجب عليّ في ذات الوقت أن أحمل شعور العار والخزي والذل والنكبة والأسف والأسى لأنني في هذه اللحظة مصري مقهور ويحكمني مثل هذا النظام الشيطاني العميل.

وعلى هذا أيضا، فيجب أن أفخر بأني مسلم فقط لأني اخترت أن أكون مسلما وعن قناعة لا لأني ولدت لأبوين مسلمين، مثلما –ومع الفارق- يفخر من دخل كلية الحقوق مثلا لأنه اختارها وكان يستطيع أن يختار غيرها لا لأن مكتب التنسيق ألقاه هنا تحديدا.

وبهذا، فماذا يعني حب مصر، والانتماء إلى مصر، وتراب الوطن، وسيادة الوطن، هل يجب أن أحب الحجر والشجر والجبال والتضاريس، هل يجب أن أقدس التراب؟ وماذا أفعل لو أن هذا التراب قد خطه لي صليبي مستعمر فحدد لي أن هذا التراب هو “تراب مصري” ولكن هذا التراب هو “تراب سوداني” كما أن هذا “تراب فلسطيني” وهذا “تراب ليبي” .. وحيث أنك ولدت في هذه البقعة فيجب أن يكون التراب المصري أغلى عندك وأهم من التراب السوداني والإنسان السوداني ونهر النيل السوداني.

وطبعا طبعا، لا ينبغي أن تفكر في الإنسان الأفغاني لأنه بعيد جدا عن التراب المصري، ولا الإنسان الصومالي، ولا الجنوب إفريقي، ولا الياباني ولا الإندونيسي ولا البرازيلي ولا المكسيكي.. فكل هؤلاء بعيدون جدا جدا عن “التراب المصري” وعن “الحدود المصرية”.

هذا هو الخطل الذي يسوقه المنافقون في مصر ليحاصروا بشرا في غزة، دعك الآن من أنهم مسلمون أو عرب أو يمثلون خط الدفاع الأول عن عدو يعلن بوضوح أن بلاده من النيل إلى الفرات.

ثم إذا كانت المسألة مسألة حدود وتراب وشمس صافية ونسيم عليل ونيل قمحي (وسائر هذا الكلام العبيط) فما معنى أن تكون لهذه “الأشياء” كرامة؟ أي كرامة يمتلكها التراب أو الجبل أو النهر أو النسيم؟ أي كرامة لهذه الأشياء تجعل احتيال الجوعى والمحاصرين لإدخال الطعام والدواء وحليب الأطفال جريمة تنتهك “السيادة” و”الشرف” و” الأمن القومي” (ظريف مصطلح “الأمن القومي” هذا!!).

وإذا كان “شرف مصر” سيحميه هذا الجدار الفولاذي، فهل يمكننا أن نتخيل أنه “حزام عفة” -وهو ابتكار غربي بالمناسبة- كالذي كان يضعه الرجل لفتاته أو لزوجته حين يسافر حتى لا يستطيع أحد “انتهاك سيادته” أو “العبث بشرفها”؟؟؟

الأمر بوضوح أن طاغية مستبد هو في حالتنا هذه هذا الشخص المعروف باسم حسني مبارك يعمل في خدمة الأمريكان والإسرائيليين ليدعموا بقاءه في الحكم ثم وراثة ولده من بعده، لكنه يفعل كل هذا تحت قناع اسمه “مصر”.

وبهذا القناع يفعل كل أنواع الشرور ثم يوقع باسم “مصر”، ومن كثرة ما فعل باسم “مصر” أصبح الواقع وكأن “مصر” هي التي فعلت. فمصر هي التي تغلق معبر رفح، ومصر هي التي تحاصر الغزاويين، ومصر هي التي تعمل في خدمة الأمريكان والإسرائيليين، ومصر هي التي تقود حملة إعلامية، و… و… و … إلخ.

يكون هذا صحيحا في حالتين فقط: إما أن المصريين انتخبوا هذا الرجل فعلا ليعبر عنهم (وهذا ما لم يحدث أبدا)، أو أنه وصل للحكم بأي طريقة فعبر عنهم وانتصر لهم وبهم وحقق –لهم وبهم- عزة أو مجدا ثم أحبوه فعلا ورضوا بحكمه عليهم (وهذا أيضا مالم يحدث أبدا .. وهذه حقائق يعرفها الجميع ولا جدال فيها إلا مع المنافقين ماسحي الأحذية).

وعليه فإن الذي يقتحم الحدود المسماة بالمصرية إنما يعتدي على شرف وسيادة ووطنية “سايكس – بيكو - مبارك” وفقط. لا شرف مصر ولا كرامة مصر ولا سيادة مصر.

وهذا إذا قال لنا أحد من أو ما هي مصر هذه التي لها شرف وكرامة؟ هل هي التضاريس؟ هل هو التراب الذي يتحول بعد شبر إلى تراب فلسطيني أو سوداني أو ليبي؟ هل هو الهواء أو النيل؟

منذ ثمانمائة عام تقريبا وجد الملك الكامل محمد من يحقق له رغبته ويُفتي له بجواز تسليم بيت المقدس للصليبيين، وخرجت له الفتوى من الفقيه الشافعي المعروف شهاب الدين إبراهيم المعروف بابن أبي الدم، ليتكأ عليها الملك الكامل فيسلم القدس إلى الصليبيين، بل إلى أضعف حملة صليبية نزلت بلاد الشرق وهي الحملة السادسة التي قادها الامبراطور فريدريك الثاني المعروف في التاريخ الغربي بلقب “أعجوبة الدنيا”.

ربما لا يعرف كثيرون أن الملك الكامل محمد هذا، هو حفيد السلطان العظيم صلاح الدين الأيوبي الذي حرر بيت المقدس، غير أن الفارق بينهما كالفارق بين المجاهد والخائن، بين الحريص على دين الله والمجاهد في سبيله، وبين الحريص على سلطانه والمجاهد في سبيل هواه، فتاريخ الكامل يتحدث عن شخص لديه استعداد دائم يصل إلى الرغبة بتسليم بيت المقدس إلى الصليبيين.

إن لكل زمنِ انحدارٍ سلطانٌ لا هم له إلا شهواته، ولكل سلطان علماء سوئه يزينون له حتى الخيانة، بل قد يزينون له إعلان نفسه إلها، فحتى الحاكم بأمر الله حين ادعى الألوهية وجد من يزعم أنه رسول من قِبل هذا الإله ويتلقب بـ “هادي المستجيبين”، وهذا الرسول وجد من يؤمن به ويتلقب بـ “عون الهادي”. ووجد الجميع جَمْعًا منافقا يهتف للحاكم “يا واحد يا أحد يا محيي يا مميت”.

وطبيعيٌّ –ونحن في عصر المؤسسات- أن يتجمع علماء السلطان في مجامع ومؤسسات، وأن يتخذوا ألقابا فخمة من نوعية “مجمع البحوث الإسلامية”، وطبيعيٌّ كذلك أن يُصدروا الفتوى بجواز إهلاك مليون ونصف من المسلمين لأن “ولي الأمر” رأى في هلاكهم خيرا، أو شعر منهم بخطر على “الأمن القومي المصري”.

ولا يحق لأحد أن يسأل كيف؟ فعلماء المجمع لا حرج لديهم أن يفضحوا جهلهم الكامل بالوضع –لمن يحسن الظن بهم- فيضعون أسبابا أقل ما يقال عنها “فضيحة” ليدبجوا الفتوى، لا حرج لديهم طالما سيرضى عنهم السلطان ومن اتبعوه من المنافقين.

إن الفتوى التي خرجت للملك الكامل محمد في ذلك الزمان، لشبيهة بفتوى مجمع البحوث الإسلامية، لا سيما في رداءة وهشاشة المبررات التي اعتمدت عليها، ولقد علمنا بعد ثمانمائة عام كيف كان الفقيه الشافعي ابن أبي الدم الحموي فاضح الجهل بالوضع السياسي (هذا لو استعملنا كل ما في الوجود من حسن ظن أو من غباء!) أو كيف كان عبدا للسلطان وعاملا مخلصا في خدمته.

تماما كما سيعرف الذين بعدنا بثمانمائة عام –إن كان بقي في عمر الدنيا- كيف كان أعضاء مجمع البحوث الإسلامية إما فاضحي الجهل أو مخلصي العبودية حين يخطون هذه الفتوى أو هذا العار.

انقسمت بلاد مصر والشام بين الأيوبيين من بعد صلاح الدين، ودخلوا في منازعات بينهم، حتى وصلت المعارك في أحد جولاتها إلى أن يسيطر الملك الكامل على مصر ويتنازع مع أخويه المعظم والأشرف بلاد الشام. استعان المعظم بالخوارزميين الذين كانوا يتراجعون أمام السيل المغولي في وقتها، فما كان من الملك الكامل إلا أن راسل فريدريك الثاني وعرض عليه الحلف مقابل أن يسلمه بيت المقدس وكل فتوح صلاح الدين.

ورغم أن الموت عاجل الملك المعظم وزال السبب الذي دعا الكامل إلى التحالف مع فريدريك الثاني، إلا أن فريدريك أتى بأضعف حملة صليبية (600 فارس) ودخل في مفاوضات مع صديقه الملك الكامل واستطاع فعلا الحصول على بيت المقدس دون أن يقدم أية مساعدة، ولا أن يخسر نقطة دم واحدة، ويحقق سمعة في أوروبا لم يستطعها ريتشارد قلب الأسد الذي فشل في استعادة بيت المقدس من المسلمين.

ثمة ملعومات أخرى هامة في السياق. ذلك أن فردريك هذا هو الذي أباد آخر المسلمين في صقلية في عمليات وحشية تماما، ولم يلتفت لمطالبات الملك الكامل صديقه بالكف عن إبادة المسلمين (عاشت صقلية قرابة قرنين في ظل الإسلام، هما أسعد قرونها رخاء وحضارة في كل تاريخها، حتى سقطت على يد النورمان. ولكن النورمان ورثوا حضارة المسلمين وحافظوا على قدر من التعايش مع المسلمين فيها).

كان فريدريك من محبي العلم وكان ينهل من حضارة العرب وعلومهم (وهذا سبب صداقته مع الكامل)، وهو أقوى امبراطور يثور على سلطة الكنيسة والبابوات، ولم يكن متحمسا للقيام بحملة صليبية برغم ضغط البابا في روما إلى الحد الذي أصدر فيه البابا عقوبة الحرمان عليه. وسعى البابا بكل جهده إلى أن يخسر فريدريك حملته هذه ولا يتمكن من استعادة بيت المقدس، فأمر بألا يحارب معه أحد من الصليبيين في الشام بل ليحاربوا ضده، وراسل ملوك مصر والشام ليحرضهم ضد فريدريك، وفعلا لم يجد فريدريك من الفرنجة في الشام إلا الإهانة ولم يستطع إلا الاستيلاء على مدينة واحدة هي صيدا. بل عمل الصليبيون في الشام على نقل معلومات استخبارية تتيح للكامل القضاء بأقل جهد على فريدريك.

أي أنه لا أحد كان يريد حصول فريدريك على بيت المقدس، لا الصليبيين ولا المسلمين، إلا الملك الكامل وحده، وفعلا سلمها ومجانًا.

كان ابن أبي الدم الفقيه الشافعي والمؤرخ وعالم الأقطار الشامية قاضيا لمدينة حماة، تلك التي كان يحكمها المظفر ابن أخت الملك الكامل وزوج ابنته، وفي تاريخه الذي ألفه للمظفر قال ابن أبي الدم “صالحهم (الكامل) صلحا تاما رأى فيه صلاحا للمسلمين وغبطة … وعقد معهم الهدنة الشرعية”.

ومن طرائف التاريخ، أن الذي ورث الكامل على حكم مصر فيما بعد كان ابنه الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان من علماء بلاطه المؤرخ المعروف ابن واصل الذي ألف كتابين في التاريخ، الأول ألفه للسلطان وهو (التاريخ الصالحي) قال فيه عن صلح الكامل “فإن الإمام يجوز له تسليم بلد من البلاد الإسلامية إلى الكفار، إذا رأى في ترك التسليم لهم ضررا ظاهرا لا يمكن تلافيه”. (ولم يوضح أين الضرر الظاهر الذي لا يمكن تلافيه وفريدريك لا يستطيع شيئا = تماما كما لم يوضح مجمع البحوث ضرر الأمن القومي المصري). ولكن حين زالت الدولة الأيوبية، ذهب دفاع ابن واصل عن جريمة الكامل في كتابه الآخر “مفرج الكروب في أخبار بني أيوب”!

فهكذا هم علماء البلاط، كما أنه درس يقول: إن الامة لن تعرف تاريخها حقا إلا بزوال الدولة أي نظام الحكم، ليس فقط بمجرد زوال الحاكم لو كان وارثه هو ولده.

وإن لكم في الأيام لعبرة..

ليس من قبيل المصادفة أن يخرج المسلم من حدث الهجرة إلى حدث عاشوراء، فلا شيء في كون الله تعالى إلا وهو مخلوق بقدَر، ولئن كانت تلك أيام الله، فيا ترى ما حكمة أن يكون يوم عاشوراء هو المناسبة الأولى التي تنتظر المسلم بعد خروجه من أيام الهجرة؟

(1)

لقد كانت الهجرة بداية تأسيس الدولة الإسلامية، والدولة الإسلامية هي الصورة الأخيرة التي ستعطي المثال لأهل الأرض جميعًا، فتثبت لهم أن هذه الرسالة هي رسالة الله الخاتمة لجميع البشر، وأنها قادرة على إنشاء النظام الحضاري الأمثل في عالم البشر، كما هي - في نفس الوقت - قادرة على منح السعادة في الآخرة.

لقد كانت الهجرة تبعث في الوجود {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ للنَّاسِ} [آل عمران: 110]، وكانت عاشوراء تحدد صيغة ومعنى هذه الخيرية، وسر هذا التفوق الذي تميزتْ به الأمة الإسلامية.

لَم يكن الإسلام مجرد منهج تغيير؛ بل كان منهج تطور وتفوق وتميز؛ أي: إنه ليس تغييرًا فقط، وإنما هو تغيير إلى الحال الأفضل، وكان مِنْ ضرورة هذا أن يتعامَل مع “الوضع القديم” بشكل مختلف.

لقد بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهلُ الجاهلية يُعَظِّمون يوم عاشوراء، وكانت قريش تصوم هذا اليوم وفيه تكسو الكعبة[1]، وحين قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة رأى اليهود أيضًا يصومون يوم عاشوراء، فسألهم: ((ما هذا؟))، قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجَّى الله نبي إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((فأنا أحق بموسى منكم))، فصامه وأمر بصيامه[2]، وفي رواية: ((نحن أولى بموسى منكم))[3].

فعلى هذا كان منهجُ الإسلام في الإصلاح، وبالأحرى منهجه في استلام راية الرسالة الخاتمة وكلمة الله الأخيرة إلى العالمين، منهج يجوز أن نسميه: “نحن أوْلَى”.

فكل خير في هذه الحياة، وإن فعله غيرُنا، فنحن أولى به منهم؛ أي: نحن الأولى بأن نفعله منهم، وتلك الأمة، وبما أنها خير أمة أخرجتْ للناس، فإنها الأحقُّ والأجدر بأن تكون صاحبة اليد العليا والسابقة إلى الخيرات مِن بين كل الأمم، هكذا سجل الله في كتابه مِن صفات المؤمنين؛ {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ} [المؤمنون: 61].

وحتى إذا كان أول منشأ هذا الخير عند غيرهم، ولذا عبرت الآية بلفظ “المسارعة”؛ أي: إن ثمة منافسين آخرين يسارعون إلى الخير، لكن هذه الأمة أولى بالسبق والتفوق، وقد ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم - أنه لو دعي إلى مثل حلف الفضول في الإسلام لأجاب[4].

وأول الخير وأرفع المنازل هو ما سنَّه الأنبياء من قبلنا، فنحن أوْلى بكل نبي ممن يدَّعي صلته به وانتسابه إليه، وعلى هذا رفع النبي شعار هذه الأمة: ((نحن أولى بموسى منكم)).

(2)

غير أنه مما يستلفت النظر أنه كان تميزًا بالفعل والعمل، لا بمجرد الدعوى والشعارات، فلم يكد النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((نحن أولى))، إلا وأتبع ذلك بالفعل: “فصامه - أي: عاشوراء - وأمر بصيامه”.

إنها ولاية وأحقية يُثبتها العمل، وتترجمها الحركة العملية في واقع الأرض، ولاية لا تكتفي بالشعارات، ولا تتوقف عند أطراف اللسان، وذلك هو المنهج الإسلامي كما تحدث عنه القرآن الكريم: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]، فلم تكن خيرية وفقط، وإنما كانت الخيرية لأن هذه الأمة تأمُر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله.

بل لقد كانت هذه الخيرية تسعى نحو التفوُّق على الموروث القديم من خير الجاهلية القديم والمنتسبين إلى الأنبياء، أو على ما عند الأمم الأخرى من خير؛ قال ابن عباس - رضي الله عنهما - حين صام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تُعَظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((فإذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع))[5].

فهنا سعت الأمة - في جيلها الذهبي الفريد - إلى التميُّز عن اليهود والنصارى، فكان أن وجَّههم - صلى الله عليه وسلم - إلى الزيادة في العمل؛ ليتحقق به التميُّز، فسنَّ صيام يوم التاسع من المحرَّم.

وهي حينئذ خيرية مشروطة بالعمل، وولاية وأحقية بحق الفعل، وبحق تغيير الحياة، لا بمجرد الدعوى والكلام، وعلى هذا فإذا لم يكنْ عمل، فليس ثمة خيرية، ولا أحقية، ولا ولاية.

(3)

إن المرء ليشعر بالفخر، كما يشعر بالمسؤولية، وهو يحمل منهجًا يرتفع فوق العصبية والعنصرية والطبقية، وسائر أوصال الجاهليات، لا سبيل في الإسلام إلى الدرجات العلى عند الله وعند الناس إلا بالعمل وبذل الخير، ولا فرق في هذا بين عنصر وعنصر، ولا بين جنس وجنس؛ {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} [الحجرات: 13].

في الإسلام تذهب الجاهليات ويبقى معنى الإنسانية، ذلك ما قاله محمد - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله قد أذهب عنكم عبية - كِبْر - الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب))[6].

إنها إنسانية تعالتْ على كل الفوارق بين البشر، وهذا شيء لا نعرف أحدًا أتى بمثله، منذ أفلاطون الذي فلسف لعلو شأن الفلاسفة ذوي العقول، كما فلسف لعبودية الضعفاء، وحتى أيامنا هذه التي سادتها فلسفة “الرجل الأبيض”.

وحيث استقرت لدينا عالمية المنهج الإسلامي، ومساواته بين البشر، واستحقاق الولاية والخيرية فيه بالعمل، فليرنا كل امرئ عمله.

ــــــــــــــــــــــــ
[1] رواه البخاري (1515)، ومسلم (1125).وقال بعض شراح الحديث أن هذا قد يكون أتى العرب من أهل الكتاب باعتباهم أهل علم أو قد يكون من بقايا دين إبراهيم -عليه السلام-
[2] رواه البخاري (1900)، ومسلم (1130).
[3] رواه البخاري (3727).
[4] رواه البيهقي (13453) وغيره من أصحاب السير، وصححه الألباني؛ انظر: الألباني، “صحيح السيرة النبوية”، المكتبة الإسلامية، عمان، الأردن، الطبعة الأولى ص35، 36.
[5] رواه مسلم (1134).
[6] رواه أبو داود (5116)، والترمذي (3270)، وأحمد (8721)، وصححه الألباني في التعليق على “أصحاب السنن”، وحسنه شعيب الأرناؤوط في التعليق على “المسند”.

نشر في الألوكة، و قصة الإسلام

اقرأ أولا: الهجرة وعبقرية الحل (1/3)

اقرأ أولا: الهجرة وعبقرية الحل (2/3)

[5]

والهجرة درس في البحث عن الحل العملي الواقع، الذي يهتم بتغيير الواقع أكثر مما يهتم بـ “الاتهامات الإعلامية” –لو صح التعبير- التي تستطيع التشويش وإثارة المشكلات لمن يهتم لها كثيرا، وأكاد أتخيل أن الهجرة النبوية لو تسلط عليها إعلام مثل إعلام العصر الحالي، فسيستطيع رميها بكل نقيصة، وحينها ستتحول إلى “الهروب الكبير” و “التخلي عن مشكلات الوطن” و “لقد ترك محمد المسلمين الضعاف في مكة يعذبون وذهب ليعيش ملكا منعما في المدينة” وإنه “يمارس من المدينة جهاد الميكروفونات والمستضعفون في مكة يعذبون”. إن “الهروب إلى المدينة دليل على الفشل في مواجهة المشكلات الداخلية” وهو كذلك “استعانة بالدول الأجنبية”… إلخ.

ستتحول الهجرة المجيدة إلى “خيانة عظمى” لو تسلط عليها مثل إعلام العصر الحالي، الذي يُدار معظمه -سرا أو علنا- من القوى التي تعادي الأمة وتفترسها وتريدها عاجزة ضعيفة بلا جهاد ولا مقاومة ولا ذاتية ولا هوية.

ولابد من حسن التصرف والتعامل مع الإعلام من قبل العلماء والمجاهدين والقائمين على الإصلاح، وهذا الجانب يحتوي خللا كبيرا، فلا يكاد يمهر في هذا الجانب من بين الحركات الإسلامية الحالية إلا حركة حماس وفصيلين لا أكثر من حركات المقاومة في العراق، وحزب الله في لبنان. ولا أكاد أعد عشرة من العلماء يجيدون التعامل مع المناورات الإعلامية وأساليب الصحافة الملتوية.

غير أن الأهم من المهارة الإعلامية لدى حركات المقاومة والإصلاح ألا تعيش تحت “القصف الإعلامي المتواصل” لخطواتها وحركاتها ومشاريعها، خصوصا وأن رضا الناس غاية لا تدرك، فكيف لو كان هؤلاء الناس (الإعلام) –في معظمهم- لا يرضون عن المجاهدين ولا المصلحين إلا أن يتبعوا ملتهم، وهي غربية أو أمريكية أو إسرائيلية؟

لقد كان الواجب العملي والحل الواقعي أن يهاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة ثم يعود بجيش يحرر المستضعفين من المسلمين في مكة، لا أن تتوقف الحياة في سبيل “الواجب الأخلاقي الذي يقتضي –على الأقل- مشاركة القائد للمستضعفين الذين يعذبون بسببه في المحنة لا تركهم في الأسر والبحث عن نعيم الملك في المدينة”.

[6]

والهجرة، أيضا، درس في البحث عن الحل الجوهري، وترك الحلول الجزئية التوفيقية أو التلفيقية التي تعطل المسيرة الإصلاحية وتمتص حماستها وزخمها وتعمل على حصارها أو تخديرها أو تنويمها.

ويبدو هذا الدرس عظيما في كل العصور وأمام كل المشكلات، إلا أنه في “عصر المفاوضات” يبدو أشد عظمة وأكثر إبهارا، فكم من الثورات التي قامت بها الشعوب العربية والإسلامية دخلت في نفق الحلول التوفيقية، فوضعت على طاولة المفاوضات حتى انتهت وتلاشت.

إن المرء ليتذكر كثيرا من هذه الثورات بحسرة، كما يتذكر وبحسرة أشد كثيرا من الخِدَع التي انطلت على مجاهدين وثائرين وإصلاحيين حتى اغتالت أحلامهم وأحلام شعوبهم وأتباعهم، والأمثلة كثيرة ولا أشك أن من يتأمل التاريخ والواقع سيخرج بالكثير من هذه الأمثلة.

إن سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) تخبر أنه لم يرض أبدا بحل توفيقي طوال مرحلة الاستضعاف، لكنه ربما فاوض وبحث عن حلول وسطى في المرحلة المدنية، وذلك بالرغم من أن هذه الحلول التوفيقية كانت تتسع يوما بعد يوم، ويزيد فيها الإغراء بعد كل نجاح إسلامي يتحقق.

لقد بدأت منذ أن عُرض عليه أن يعبد إلههم عاما ويعبدون إلهه عاما، ولئن كان هذا عرض مرفوض حتى في وجدان قارئ هذه السطور الآن بعد 1431 سنة، فإن العروض تطورت حتى وصلت إلى ذروتها مع عتبة بن أبي ربيعة “يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت من هذا القول مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تريد شرفا شرفناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئي تراه ولا تستطيع أن ترده عن نفسك طلبنا لك الطبيب وبذلنا فيه أموالنا حتى يبرئك منه … ” (11).

والحقيقة أن هذا العرض بالملك والنفوذ والسيادة لا يزال يبدو مغريا بعد 1431 سنة، فقط إذا وضع القاريء نفسه مكان النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) المستضعف في مكة، الحريص على إيمان السادة والكبراء، الباحث عن حماية ونصرة.

غير أنه (صلى الله عليه وسلم) رفض كل حل يخمد حماسة المؤمنين أو يعكر صفاء الفكرة، وظل يجاهد ويؤذى ثم يجاهد ويؤذى، حتى أقام الدولة الحق بالحق. ولو أن هذا الدرس وعاه أبناء الأمة لما وجدنا واحدا يكتب رحلة حياته -التي فشلت- في مذكرات بعنوان “الحياة مفاوضات”.

[7]

والهجرة دليل على أن ثمة حل لكل مشكلة، وإني لأحاول أن أتصور نبي الله (صلى الله عليه وسلم) يجلس وهو في عمر الخمسين، بعد عشر سنوات من الجهاد والأذى يستعرض كيف قام بالدعوة منذ سنين وكيف أوذي وكيف عذب هو وأصحابه، وكيف حوصر في شعب أبي طالب حتى كادوا أن يهلكوا من الجوع، ثم كيف ذهب إلى الطائف وعاد منها مُهانا، ثم كيف يعرض نفسه على القبائل فترده القبائل كلها كأنما دبروا هذا بليل.

ثم أتصوره وهو عازم لم يثنه كل هذا، وما يزال يحاول ويجاهد، ويبحث عن أرض تقله وعن بشر يحمونه، حتى يُظفره الله بنفر الأنصار الذين كانوا بداية النصر والتأييد (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) [الأنفال : 62].

وهنا يكمن الدرس، إن لكل مشكلة حل، لكن لا يصل إلى هذا الحل إلا من أخذ في البحث والتقصي واجتهد، قد يتعثر مرة ومرات لكنه سيجده. في سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) كلها لم توجد مشكلة لم يكن ثمة حل لها. وحيث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قدوة للمسلمين جميعا، فذلك دليل على أن المسلمين قادرين على إيجاد الحل لكل مشكلاتهم لو اقتدوا بالنبي وتعلموا منه (صلى الله عليه وسلم).

صحيحٌ، قد يكون الحل صعبا، وهي صعوبة تبلغ أن يقف النبي ناظرا خلفه إلى مكة التي يعانقها الليل ويقول دامعا “والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت” (12).

ولكن الذي أعثره على الحل يقول له (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) [القصص : 85]، وقد حصل ودخل النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى مكة فاتحا ومتواضعا. فمن ذا الذي يرد أمر الله وهو غالب على أمره؟؟

————

11) رواه أبو يعلى (1818)، وابن إسحاق في السيرة، وحسن سنده الألباني في تحقيقه لفقه السيرة للغزالي. انظر: هامش ص84.

12) رواه الترمذي (3925) وقال حديث حسن غريب صحيح، وابن ماجه (3108) وأحمد (18737) والحاكم (4270) وقال: على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في التعليق على الترمذي وابن ماجه، وقال شعيب الأرناؤوط في التعليق على مسند أحمد: إسناده صحيح.

نشر في الألوكة، وقصة الإسلام

ترى هل كان التأريخ بالهجرة كما جرى في عهد عمر (رضي الله عنه) وحيا؟ أم كان ثمرة العقل العمري الألمعي الجبار؟ ذلك الذي بلغ من الشفافية والعبقرية أن نزل وحي السماء يوافق رأيه في غير مرة

الحقيقة أن الإجابة غير يقينية، وقد تكون غير مفيدة على المستوى العملي، رغم أن السؤال يمثل إغراء نظريا مثيرا لعقول الفلاسفة والمنظرين، لأن ذلك القرار حمل المسلمين -على مدى القرون التالية- لأن يقفوا كل عام أمام حادث الهجرة يتأملونه ويستنطقونه، وفي كل مرة يعطيهم ذات الحدث الواحد دروسا تبدو بلا نهاية.

[1]

كان قيام الدولة الإسلامية ضرورة شرعية، وضرورة تاريخية أيضا، فعلى المستوى الشرعي كان لابد لرسالة الله الأخيرة للبشر على هذه الأرض أن تستكمل فصولها لتخبرهم كيف يديرون حياتهم في دولة، وكيف ينظمون لأنفسهم طرق السياسة والإدارة والحرب والقانون. فكان لابد من وجود صورة للدولة الإسلامية والتي هي بمثابة النموذج الذي يظل يُلهم الناس ويحثهم على الارتفاع لمثاله وتقليده. وهذه صورة لا يستفيد منها المسلمون وحدهم بل هي كذلك من وسائل الدعوة لكل العالمين، فإن تحقيق الفكرة للنجاح على الأرض يدفع ويُغري من لم يقتنع بالفكرة ذاتها إلى أن يقتنع بها حين يرى آثارها وثمارها.

وذلك قانون تاريخي لا يُجادل فيه، فكل فكرة في التاريخ لم تستطع صناعة دولة ماتت في مهدها أو في صباها، أو ظلت –في أحسن الأحوال- حلما يراود الخيال، وينفر منه الواقعيون، ويطرحه السياسيون والقادة وصناع التاريخ.

فكان لابد للرسالة الخاتمة أن تُنشيء الدولة لتحقق ثمرة الفكرة، ولتثبت الفكرة أنها عملية قادرة على الحياة وقابلة للتطبيق، بل هي النموذج الأمثل والأنجح من بين كل الأفكار. هذا على مستوى الضرورة الشرعية.

وأما على مستوى الضرورة التاريخية، فيبدو الأمر واضحا لو حاولنا تخيل مسار التاريخ الإنساني بدون الرسالة الإسلامية، إن الصورة تبدو كارثية بكل الوجوه، فإن القفزة الحضارية التي صنعها المسلمون وضعت بصمتها على كل التاريخ الإنساني وعلى مختلف أنشطة السلوك الإنساني حتى ليبدو المفكر الإنجليزي الكبير مونتجمري وات مذهولا إذ يقول “إننا لنجد شيئًا لا يكاد العقل يصدقه، وبالتالي فهو أمر يخلب اللبَّ، حين نقرأ عن كيف تحوَّلت الحضارات القديمة في الشرق الأوسط إلى حضارة إسلامية” (1)، هذا مع اعتراف المستشرق الإنجليزي الشهير ألفريد جيوم بأن تأثير الحضارة الإسلامية لم تدرك أبعاده بشكل كامل إلى الآن، يقول: ” وعندما ترى ضوءَ النهار جميعُ الموادِّ النفيسة المختزنة في مكتبات أوربا، فسيتضح لنا أن التأثير العربي الباقي في الحضارة الوسيطة لهو أعظم بكثير مما عُرِفَ عنه حتى الآن” (2).

[2]

وحيث كانت الدولة الإسلامية ضرورة شرعية وتاريخية، فإن مسار سيرة النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) كان مسار رجل يبحث عن القلوب ليهديها ويعطيها الإيمان، وكان في ذات الوقت مسار رجل يبحث عن الأرض لإقامة الدولة. فالمرحلة المكية كانت غرسا للعقيدة الإسلامية في النفوس ونشرا لهذا النوع الجديد من الوعي ولهذه النظرة الجديدة إلى الإنسان والناس والكون وطبيعة الحياة وهدف الوجود.

ولكنها – بزاوية نظر أخرى- كانت أيضا مرحلة البحث عن الأرض التي تقوم فيها الدولة الإسلامية، ويبدو هذا الهدف (البحث عن أرض لإقامة الدولة) واضحا في كل خطوات النبي (صلى الله عليه وسلم)، فمبكرا جدا كان حريصا على إيمان سادات قريش وكبرائها، وكان حرصه عظيما إلى الحد الذي عوتب فيه (صلى الله عليه وسلم) بقرآن يصفه بأنه “يقتل نفسه” من الغم لعدم إيمانهم، قال تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف : 6] (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء : 3].

ثم عوتب (صلى الله عليه وسلم) حين عبس لأعمى شغله عن جلسة مع كبار القوم، فنزل قول الله تعالى (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى) [عبس : 5 - 10]

بل تروى بعض الآثار –وفيها ضعف- أنه (صلى الله عليه وسلم) هم بالاستجابة لطلب سادات قريش بأن يجعلوا لهم مجلسا غير مجلس العبيد لئلا تسقط بينهم المقامات، فنزل قول الله تعالى (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [الأنعام : 52].

ولكن اللافت للنظر، والجدير بالتأمل والاعتبار، أنه (صلى الله عليه وسلم) وقد واجه إصرارهم على ما هم فيه واستكبارهم عن الإيمان، لم يقعد جالسا منتظرا أن يحول الله قلب أحدهم إلى الإيمان، أو منتظرا تغير الظروف والأحوال وموازين القوى في مكة، بل جدّ في البحث بعدما بدا أن الأحوال في مكة لا تبشر بخير في المدى المنظور.

فكان أن خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الطائف –وهي القوة المنافسة لقريش في الجزيرة - باحثا عن هذه الأرض وعن هذه الحماية التي تمكنه من الانطلاق في دعوة الناس إلى الإسلام، وحين وُوجه هناك بأقسى مما توقع فأُوذي وأُهين وهو الكريم النسب والخلق وبعد أن تجاوز الخمسين (صلى الله عليه وسلم) –بأبي وأمي ونفسي- لم يقعد ولم ينتظر، بل لقد وسع دئرة البحث حتى كان يعرض نفسه (وكم توحي هذه العبارة بالحال والإصرار على الهدف، كما توحي بالهوان على الناس) على القبائل في موسم الحج. وكان شعار هذه الفترة معبرا عن طبيعة الهدف “ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي” (3).

وذكر أصحاب السِيَر أسماء خمس عشرة قبيلة (4) كلها رفض دعوته، حتى أعثره الله في آخر الأمر على النفر الستة من يثرب، فأيده الله بهم.

وأخيرا تحقق الهدف، ووجدت الأرض التي تستعد لإقامة دولة الفكرة، دولة الإسلام.

وعبر بيعتي العقبة الصغرى والكبرى، وسفارة مصعب بن عمير –الذي جمع بين علم يستوعب به الرسالة ودبلوماسية يستوعب بها الواقع وأهداف المرحلة- تم الإعداد لدولة الإسلام في المدينة، وفي هذه اللحظة انتهت المرحلة المكية وبدأت المرحلة المدنية.

————-
1) مونتجمري وات: فضل الإسلام على الحضارة الغربية، ترجمة حسين أحمد أمين، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى - القاهرة، مصر، 1403 هـ=1983م. ص19.

2) ألفريد جيوم: الفلسفة وعلم الكلام، دراسة منشورة في كتاب (تراث الإسلام) بإشراف توماس أرنولد، تعريب جرجيس فتح الله، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية - بيروت، 1972م. ص401.

3) رواه أبو داود (4734) والترمذي (2925) وقال: حديث غريب صحيح، وابن ماجه (201) وأحمد (15229) والحاكم (4220) وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. وصححه الألباني في التعليق على أصحاب السنن، وقال شعيب الأرناؤوط في التعليق على مسند أحمد: صحيح على شرط البخاري.

4) يرجع أصحاب السير في أسماء القبائل وعددها إلى الواقدي، وهو حجة في مثل هذه الأخبار وإن كان متروكا في الحديث.
اقرأ:

الهجرة .. وعبقرية الحل! (2/3)

الهجرة .. وعبقرية الحل! (3/3)

Next Page »