لمسات الفـن


حمل مسلسل صلاح الدين الأيوبي

حمل مسلسل صقر قريش

حمل مسلسل ربيع قرطبة

حمل مسلسل ملوك الطوائف

وحمل كذلك مسلسل التغريبة الفلسطينية .. أنا لم أره إلى الآن إلا بعض أجزاء من الحلقة الأولى وقد كدت أبكي، ولكنه - كعادة مسلسلات الدكتور وليد سيف تحظى بما يشبه الإجماع على روعتها، لنها فعلا منعدمة القرين والنظير ، بل منعدمة المنافس

(6) المخرج حاتم علي

يحسب للمخرج حاتم علي أنه يحافظ على السيناريو ولا يتدخل فيه، هذا ما صرح به الدكتور وليد سيف، وما صرحت به كذلك الدكتورة لميس الحديدي مؤلفة مسلسل (الملك فاروق)، ويشهد من تابع هذه المسلسلات أن نصها قوي ومحبوك من الجانب التأريخي.

وشخصيا لا يعجبني إخراج حاتم علي، ولست كذلك ناقدا فنيا، وإنما مجرد متذوق، وكنت أود لو توفر لمسلسلات وليد سيف مخرج مصري متمكن، فكثيرا كثيرا من المشاهد المؤثرة لم يستطع الإخراج أن يخدمها كما ينبغي.

لكن هذا يظل في إطار المقبول أو مايسعنا فيه الخلاف، أما الكارثة الحقيقية فهي في هذا الكم الهائل من العري والرقص في المسلسلات التاريخية، وهو عري أقطع بأنه لم يكن موجودا لا على هذا النحو ولا بهذه الكثرة في تلك الأيام، ولا أعرف تحديدا مدى موافقة الدكتور وليد سيف على هذا الإخراج لهذه المشاهد.

مئات المشاهد تحفل بعري لا حاجة له مطلقا، ولادخل له في خدمة النص ولا الصورة، إلا أن يكون مازال البعض يعتقد أن الجمهور العربي مازال متشوقا لرؤية العري حتى في الأعمال الدينية والتاريخية، وهي مشاهد تمثل صدمة بالغة للمشاهد الملتزم وخصوصا أنها تعرض في رمضان فيتضاعف الحرج ويكون ترك المسلسل هو الحل الأفضل بالنسبة لشريحة الملتزمين، فمابالك وهذه الشريحة هي التي تهتم بهذه النوعية من الأعمال وتحرص عليها، أي أن هذه الشريحة هي الجمهور الأثير لهذه النوعية من المسلسلات.

وطالب المشاهد العارية لم يعد يجلس أمام التلفاز، وإن جلس فهو لن يذهب إلى مسلسل ناطق باللغة العربية الفصحى انتظارا لبغيته. فلماذا هذا الإكثار العجيب وغير المبرر من هذا التعري والرقص؟

إن كفاءة النص الذي كتبه وليد سيف، وكذلك كفاءة الإخراج الذي لم يتدخل في النص جعلت الإسلاميين يحرصون على هذه المسلسلات ونشرها للناس، لكن هذا العري المتناثر كان عقبة شديدة القسوة.

من يصدق أن السلفيين الذي لا يعتبرون أساسا بجانب الفن كانوا ممن حرص على نشر هذه المسلسلات، وهذا شئ لم يحدث لعمل فني – على حد علمي – منذ فيلم عمر المختار، لكنهم – كالعادة – حذفوا كل مشاهد النساء من هذه المسلسلات.
والحق أنه وإن كان يجوز نقدهم في تشويش صور النساء في فيلم عمر المختار، فإنه لابد من التماس العذر لهم فيما حذفوا من مشاهد من مسلسلات وليد سيف. برغم أهمية وحيوية هذه المشاهد.

وقد شاهدت نسخا كثيرة من هذه المسلسلات أول الأمر، فصعقت حين شاهدت النسخ الأصلية لأن المشاهد التي حذفت مهمة في غاية الأهمة في السياق التاريخي، بل فيها أحداث تاريخية أو تفسيرات لا يمكن الاستغناء عنها، ولكن كيف يمكن أن تلومهم؟ لقد أعطاهم المخرج سببا قويا لأن يحذفوا دون أن اعتبار لأهمية المشهد.

بعض النسخ حذفت كل النساء، حتى ما كان من نساء يلبسن الحجاب، وهذا تشدد مرفوض قطعا، ولكن لا مجال للحوار مع هؤلاء وأنت تعرف أن مشاهد النساء في أغلبها عارية مستفزة.

ومقارنة بين مسلسل (ملوك الطوائف) ومسلسل (المرابطون والأندلس) تكشف بجلاء أن هذا العري غير مبرر أبدا، فهذان المسلسلان ناقشا نفس الفترة التاريخية ( عن غير قصد فلقد أنتجا في عام واحد ) فلا تجد مقارنة بين العري هنا وهناك، واعتماد الرميكية التي قامت بدورها سلاف فواخرجي في ملوك الطوائف فتعرت بشكل بشع، قامت بدورها ممثلة أخرى في المرابطون والأندلس فلم يؤثر هذا على الدور ولم يظن أحد من الناس أنها صعلوكة لأنها لا تلبس العاري المكشوف.

قد خسرت هذه المسلسلات جمهور الإسلاميين في جانب الدعاية، وإن كسبتهم في جانب الإعجاب، والإسلاميون كما يعرف الجميع جمهور يتطوع بالدعاية والنشر والدعم لكل ما يحبه وكأنه ينشر عملا له هو ويدعمه كأن ربحه عائد عليه هو. وما أخشى من شئ في مسلسل (سقوط غرناطة) إلا أن تزيد فيه هذه الجرعة “الإباحية” ( وأسميها الإباحية عامدا) خصوصا وهي تناقش فترة انهيار وضياع الأندلس.

فإني أناشد كل صانعي الأعمال التاريخية أن يحرصوا على جمهور سيكون أقوى من شركات الإنتاج قطعا، جمهور متطوع لا يطلب إلا أن تراعى أخلاقه ويكون جنديا في نشر هذه الأعمال، وخيرها عائد على صانعيها في المقام الأول ولا يطلب جزاء ولا شكورا.

إن هذه المسلسلات بهذا الشكل لا تجرؤ الفضائيات الإسلامية على عرضها، وقد اضطرت قناتي اقرأ والرسالة إلى حذف كثير من المشاهد حين عرضت صلاح الدين وصقر قريش، ولم تستطع اقرأ أن تواصل عرضها لصلاح الدين لكثرة ما اضطرت أن تحذف مشاهد مستبدلة إياها بمنظر ساكن.

وهذه قنوات لا تعرض الأعمال الأخرى، أي أنها ساحة خالية من المنافسة لعرض الأعمال التاريخية، بينما القنوات الأخرى ساحات تتصارع على أوقات البث بين كل أنواع الأعمال الدرامية، فلماذا يضحي صانعوا المسلسل التاريخي بهذه المساحة الخالية وبهذا الجمهور العريض؟ خصوصا إذا كان لحساب مشاهد تتنافس عليه مسلسلات خليعة أخرى على باقي القنوات؟

لعلهم يستيقظون .. آمين

(7)

بقي في هذا الموضوع شكر لأبطال العمل من الممثلين

فتيم حسن موهبة تجلت واضحة من أول أدوراه (العاضد خليفة مصر الفاطمي) في مسلسل صلاح الدين، وهو بهذا الدور أجبر كل متابع على الإعجاب به، وهو حقا موهبة لا محدودة وإن كان الآن لا يحتاج ثنائي قهو ملء السمع والبصر عن حق وجدارة.

فأدوراه في كل مسلسلات وليد سيف تستحق ثناءا بلا حد، فهو الخليفة الذكي المغلوب على أمره في صلاح الدين، وهو الخليفة العابث الماجن المستهتر في صقر قريش ثم هو البطل العظيم الملك المنصور ابن أبي عامر في ربيع قرطبة ثم هو الملك الذي يجمع بين البطولة والخيانة في ملوك الطواف.

ولا أوضح ذكاءا وإمتاعا من جمال سليمان في كل أدواره : صلاح الدين ، عبد الرحمن الداخل، الحكم المستنصر، الشاعر ابن زيدون .. ولا أقل منه تألقا النجم الموهوب الفلتة محمد مفتاح في أسد الدين شيركوه، وبدر خادم الداخل، وإبراهيم عريف الحدادين، والوزير ابن عمار.

ونجم آخر يتألق بشكل فريد، ويظل له طعمه الخاص دائما، هو نجاح سفكوني في دور نجم الدين أيوب، وفي دور غالب الناصري، وفي دور باديس ملك غرناطة.. ومثله باسم ياخور الذي لا ينسى دوره في صقر قريش وهو شخصية أبو مسلم الخراساني، فضلا عن دوره في شخصية نور الدين وجعفر بن حمدون.

ورجل أحب أن أسمع منه اللغة العربية وإن لم يكن من نجوم الصف الأول ذلك هو ناصر وردياني، فهو عز الدين كمشتكين، وسليمان بن كثير، وأبو يحيى التجيبي، ويحيى بن عمر اللمتوني.

ودور تأثرت به بشكل خاص، وبما أني الذي أكتب فلي حق أن أعبر عن مشاعري الخاصة، ذلك هو دور زينب الذي قامت به أمل عرفة فأبدعت بما لا يوصف في مسلسل صقر قريش، حتى صار أصدقاؤنا الشباب يتمنون زوجة كهذه الزوجة.

***
لاشك أن الدكتور وليد سيف يمثل نقطة فارقة في الكتابة الدرامية التاريخية، وهو فاصل بين مرحلة قبله ومرحلة بعده. وأعلام أمتنا كثير ولكنهم كالعادة لا يأخذون حقهم، وهم كالؤلؤة يحبسها قشرة صلدة صدأة غبية فيمنعونها من التوهج، وذلك حال لآلئ عصور “ملوك الطوائف”

(4)

أزعم أن مسلسلات الدكتور وليد سيف كانت ستحتفظ بأوليتها وميزتها وتفردها عن باقي المسلسلات التاريخية لو أنها اكتفت بميزة التحقيق العلمي الممتاز، وباستبطانها العميق والرائع لنفوس شخصيات العمل التاريخي، لكنها زادت على هذا ثوبا ولا أورع ولا أبدع من لغة فخمة جذلة.

يحز في نفسي أن كثيرا من عمالقة الفكر ضاعوا أو نُسوا أو لم يكن لهم جمهور لأنهم لم يمتلكوا الأدب، وأكاد أقول: إن من خلدوا من العلماء والمفكرين كانوا واحدا من اثنين: من امتلك الفكر والأدب معا، فاستطاع أن يصوغ فكره في عبارات بليغة ومؤثرة فخلد فكره عبر لغته العذبة، أو مفكر أحدث نقلات نوعية في الفكر وقدم لعصره أو للأجيال بعده مالم يقدمه أحد ممن قبله من نظرات وتفسيرات ورؤى احتاجها عصره أو عصر من بعده.

وأتذكر دائما في هذا شيخ الإسلام ابن تيمية الذي كان عظيما لم يمتلك الأدب، بينما كان تلميذه ابن القيم عظيما كذلك لكن أدبه أفخم وأقوى وعبارته أحلى وأحسن، وبرأيي أن خلود ابن تيمية نصيب الفكر منه أكبر وخلود ابن القيم نصيب الأدب منه أكبر. وفي عصرنا هذا أخشى أحيانا أن ينسى – بعد حين – رجال عظام كان حظهم من الأدب قليلا.

ولا أظن يخفى على أحد أن البلاغة وحدها خلدت فكرا فاحشا وأخلاقا ماجنة، فكم خلد في الشعر شعراء فاحشون حقا، ولا أحسب محبا للأدب لا يحفظ أبياتا ماجنة من فرط بلاغتها وإن كان لا يرددها إلا مع نفسه مع استنكاره لمعناها تماما، فأبو نواس وبشار بن برد وعمر بن أبي ربيعة وسلسلة طويلة ربما انتهت بنزار قباني، كل هؤلاء صنعوا اسماءهم ببلاغتهم التي كانت ثوبا جميلا لأفكار فاحشة.

وإن هذا يلفت الأنظار إلى أن القرآن لم يكن فقط حقا، ولكنه كان حقا بليغا، حقا أعجز أساطين البلاغة أن يأتوا بمثله أو بسورة منه. الحق الذي لما فاجأ قريش في منتدياتهم ببلاغته ثم قال (فاسجدوا لله واعبدوا) لم يملكوا أنفسهم فسجدوا، سجدوا انبهارا، فلقد سلبت بلاغة القرآن إرداتهم على نفوسهم .. وحتى نبي الله محمد – صلى الله عليه وسلم – لم يؤت الحق فقط بل أوتي معه (جوامع الكلم).

وأتذكر في هذا كلمة للأستاذ محمد قطب في كتابه ( منهج التربية الإسلامية ) حين قال بأن المنهج الإسلامي النابع من التصور الإسلامي للكون يهتم بالجمال لا بمجرد الحق، فإن الجبال التي وظيفتها تثبيت الأرض لم تكتف أن تكون جبالا كثيرا ما تكسوها الأشجال والزروع والثلوج فتعطي الجمال فوق المهمة الوظيفية .. “بمعناه طبعا”

ورحم الله شيخنا الغزالي حين قال : معنا الحق الذي لم نحسن عرضه، وغيرنا معه باطل تفنن في عرضه.

ولهذا أجزم يقينا بأن مسلسلات الدكتور وليد سيف خالدة بإذن الله، وإذا كانت المسلسلات التاريخية بطبيعتها مستمرة ويمكن إذاعتها بعد إنتاجها بعشرين سنة أو أكثر دون أن يمثل هذا عيبا، فإن اللغة الفخمة التي كسيت بها هذه المسلسلات ستجعلها دائما مطلوبة ومرغوبة.

والدكتور وليد سيف شاعر أصلا، وهو أستاذ أدب في الجامعة الأردنية، وهو حقا ممن يمتلك ناصية اللغة فأنت تسمع في مسلسلاته اللغة العربية الباهرة التي تقرأها في كتب الأدب القديم، اللغة التي تنقلك لهذا العصر القديم، فتشعر أنك تشاهد التاريخ حقا كما كان، لن تسمع ألفاظ العصر الحديث أبدا، وهي تلك الألفاظ التي لم يسلم منها بقية المؤلفين، ولولا أن يصير المقال مذمة لأطلت في هذا.

ولم يكن أحد ينتبه إلى هذا الأمر حتى سمعنا اللغة الفخمة في مسلسلات وليد سيف، فبضدها تتميز الأشياء، وإذا طلعت البدر غارت النجوم، وإذا جاءت الشمس طغى نورها على كل نور.

إن من أسباب معاناتي مع المسلسلات الأخرى أني سمعت مسلسلات وليد سيف، فصار كل مشهد يجبرني على أن أتخيل كيف كان سيصوغه وليد سيف، وأرى أن مسلسلات وليد سيف قد أحدثت طفرة في هذا الجانب فلغة المسلسلات التاريخية بعده بعامة أفضل منها قبله، فمسلسلات (الحجاج، المرابطون والأندلس، أبناء الرشيد، خالد بن الوليد (بطولة باسم ياخور)، خالد بن الوليد (بطولة سامر المصري) قمر بني هاشم، أبو جعفر المنصور.. ) أفضل لغة من المسلسلات فيما قبل بشكل عام، ولا أستثني من هذا إلا مسلسل (الظاهر بيبرس/ السوري) فلغتة ركيكة إلى حد يثير الاشمئزاز.

وشخصيا كنت أظن أن جمهور الأمة لا يفهم اللغة العربية القوية، فعلمت من تلك المسلسلات أن الأمة أقرب إلى روحها وتراثها مما كنت أتصور، وبالمناسبة: فإن الأمة أقرب إلى روحها وتراثها كثيرا مما يتصور كثير من السياسيين وحتى كثير من العلماء والدعاة. ودائما تكون الانتخابات هي الكاشف عن هذه المفاجأة.

(5) الحب في مسلسلات وليد سيف

ما نراه في مسلسلات وليد سيف يؤكد أن لهذا الرجل تجربة في الحب، ففي مشاهده ما لا يمكن أن يعرفه إلا عاشق قديم، أو عاشق قديم مقيم. أو على الأقل عاشق مجرب.

والحب أمر عجيب، وهو لغز وسيظل هكذا، وهو من أدلة إعجاز الله في خلقه، فهو شئ لا يوصف ولا يفسر ولا يعرف كيف يبدا وكيف يثور ثم كيف يذبل وينتهي، ومن حاول أن يفسر الحب فليعلم أنه سيفشل حتما، وما من نظرية في الحب إلا ونستطيع أن نسوق قصصا تؤكد فشلها وعجزها عن التفسير.

وأرى أن لا يتكلم في الحب من لم يعرفه، ولو كان عالما أو داعية، فإن هذا يؤخذ منه على أنه كلام الله وحكمه، ومن قال لا أدري فقد أفتى.

وإنك لتجد في مسلسلات وليد سيف الحب الذي لا يخدش العفة، فلن تبتئس كثيرا من حب صلاح الدين لعصمت الدين خاتون أرملة الملك العادل نور الدين، ولن تبتئس كذلك من حب الملك المنصور محمد بن أبي عامر لصبح زوجة الحكم وأم الخليفة هشام، ولن تعتبر حب المعتمد بن عباد لزوجته اعتماد الرميكية ضعفا في شخصيته.

وهذه الأمثلة وغيرها ليس للتاريخ فيها رأي قاطع أكيد، فنحن لا نعرف على سبيل اليقين إن كان جرى حب بين صلاح الدين وعصمت الدين خاتون أو بين الملك المنصور والسيدة صبح، فإن أحداث التاريخ تجعل هذا احتمالا واردا ويمكن أن يكون قويا ولكن يمكن أن نفسر كل الأحداث كذلك من منظور آخر غير الحب.

إنما الإبداع يكمن في أن وليد سيف حين يقدم رواية الحب هذه فهو يقدمها في إطار العفاف والأخلاق، في إطار أنه قد حدث فعلا حب عظيم وعميق لكن هذا ليس مظنة السوء أبدا ولا يمكن أن يكون موضع ريبة، وهو في ثنايا المسلسل يهاجم بشدة من يعتبر هذا الحب ريبة ودنسا ويظن فيه السوء ويجعله تهمة.

وما يؤكد اهتمامه بهذا اللغز المسمى بالحب هو أنه أحيانا يصنع قصة حب قد لا يحتاجها المسلسل، صحيح أنه يستعملها في بيان معان أخرى في صلب المسلسل، لكن تلك المعاني كان يمكن أن تؤدى بغير قصة الحب، وذلك أسهل على كاتب محترف مثل وليد سيف.

سترى في مسلسلات وليد سيف أعاجيب المحبين:
- زواج سياسة ينقلب إلى حب عميق ( نور الدين وعصمت الدين خاتون – مسلسل صلاح الدين)
- حب وكفاءة يتحولان زواجا ( صلاح الدين وعصمت الدين خاتون – مسلسل صلاح الدين)
- حب رغم العذاب والإيذاء ( الوليد بن يزيد وجاريته “نسيت اسمها” – مسلسل صقر قريش)
- حب الصعاليك ( بدر خادم عبد الرحمن الداخل وزوجته زينب – مسلسل صقر قريش)
- حب الملك لجاريته ( عبد الرحمن الداخل و جاريته حلل – مسلسل صقر قريش- والحكم المستنصر لجاريته صبح – مسلسل ربيع قرطبة)
- حب من لا يملكون ولا يستطيعون ولا يملون ( المنصور بن أبي عامر وصبح – مسلسل ربيع قرطبة)
- حب الزوجة التي تعلم أن قلب زوجها لغيرها فتفضل حبه على نفسها رغم ألمها ( المنصور بن أبي عامر وزوجته عائشة – مسلسل ربيع قرطبة)
- حب النظرة الأولى ( المعتمد بن عباد واعتماد الرميكية – مسلسل ملوك الطوائف)
- حب المستبد الطاغية الذي بقوته استطاع أن يتزوج من لا تطيقه ( الوزير ابن عمار ولبنى – مسلسل ملوك الطوائف)
- المصالح التي تطرد الحب القديم الملتهب ( زيد ولبنى – مسلسل ملوك الطوائف)
- الكره العميق الذي ينقلب حبا عميقا ( الوزير ابن عمار وزوجته لبنى – مسلسل ملوك الطوائف)
- الحب الملتهب الذي يذبل وينتهي عند تغير الحال (ابنة المعتمد وزوجها – مسلسل ملوك الطوائف)

وكل هذه المشاهد واقعية جدا، ونراها في حياتنا المعاصرة، وإن كنت أكرر أنها كلها ليس مقطوعا بها على سبيل اليقين التاريخي – ما عدا حب المعتمد لزوجته - ، وأكثرها مؤلف لخدمة الدراما.

وأراني مضطرا هنا لذكر انتقادين، في هذا الجانب، وما كنت أحب أن انتقد في هذا المقال أبدا لعلمي أنها اجتهادات سنختلف حولها، وقد أختلف معه في بعض الوقائع والروايات التي يقويها بينما أراها ضعيفة أو بعض التفسيرات لبعض الأحداث، وكذلك بعض التركيز على أمور وإغفال أخرى، فكل هذا هو في نطاق الاجتهاد الذي يسع كل الناس الاختلاف فيه دون أن يؤثر هذا على الإجلال والتقدير لهذا الإبداع الكبير.

لكن جانب الحب هذا لابد من قول كلمتين فيه :
1) أن كثيرا من المشاهد بين المحبين، خصوصا في مسلسل ربيع قرطبة، فيما بين ابن أبي عامر وصبح لايمكن أن تكون حدثت، فهي غنية بكلام الحب الذي لا يتصور أن يقال بين جارية بل وأم ولد الخليفة وبين عامل لها. وقد كان يمكن أن يستعيض عن هذا الكلام الصريح بكثير من المشاهد الصامتة التي تعبر عن المعنى، والتي ستصاحبها موسيقى تصويرية مناسبة. فإنه لا يمكن أن تكون قد حدثت خلوة بينه وبينها أبدا ولو كانت جارية تبرز للناس ولا يحوطها ما يحوط الزوجة الحرة من تقاليد، فهذه ستخدش نطاق الأمانة التاريخية التي عودنا الكاتب على احترامها .. هذه نقطة ضعف في السيناريو كنت أتمنى ألا تحدث.
2) الكارثة العظمى هي التي أحدثها الإخراج، أو ربما المسؤول عن الملابس، (لست خبيرا في فنون الكواليس) فلقد كانت تظهر الجواري عاريات تقريبا، بل ويمشين عرايا هكذا في طرقات القصر وبين العمال والوزراء، بل سيدات القصر أنفسهن تظهرن عرايا وأمام غير المحارم مثل دور صبح في ربيع قرطبة ودور اعتماد الرميكية في ملوك الطوائف. ولئن كنا لا نقبل أبدا تلك الملابس التي أُلبست لصبح في ربيع قرطبة وهي جارية فلا مكان أبدا لقبول ملابس اعتماد الرميكية في ملوك الطوائف.. ومن كان لديه دليل من التاريخ يقول غير هذا فليخرجه لنا. وإن كان أغلب الظن عندي أنها من صنع المخرج الذي أفسد كثيرا بتلك المشاهد الصورة التاريخية التي يعبر عنها السيناريو أفضل تعبير. وسنتكلم عن هذا بعد قليل بمزيد تفصيل

(3)

كانت السطور الماضية تتحدث عن الإشكالية مابين النزاهة والأمانة العلمية ، وما بين “ضرورات” الحبكة الدرامية.

فإذا دخلنا إلى تفاصيل القصة التاريخية، سيجد الكاتب نفسه على محك آخر، وهو تحليل وتفسير الشخصيات الفاعلة، شخصيات الأبطال، وشخصيات الأقزام، وكذلك شخصيات الخونة.

والبشر ليسوا خيرا خالصا، وليسوا شرا خالصا كذلك. ومنهم من ينتقل من البطولة إلى الخيانة، ومنهم من ينتقل من الخيانة إلى البطولة. وقد صار مملا وكئيبا وفضائحيا أن تتحول المسلسلات التاريخية إلى شخصيات هي إما خير مصفى أو شر مكثف.. ولابد حينئذ أن تفسر شخصية البطل الذي تحول للخيانة بأنه كان متآمرا منذ أول لحظة ويصطنع البطولة، كما تفسر شخصية الخائن الذي تحول للبطولة بأنه بطل من أول لحظة ولكنه “بذكائه” كان يقف منحازا للعدو ثم سيختار اللحظة المناسبة للانقلاب عليه.

فحياة البشر ليست بهذه السذاجة والسطحية.. ولم تكن كذلك يوما.
وهذا ما يجعلنا نصر ونؤكد على أن يكتب التاريخ كما نقلته المصادر التاريخية التي توفر عليها باحثون مجتهدون فقدموا أفضل ما استطاعوا من مجهود لاحتواء تفاصيل الفترة التاريخية، وألا يترك هذا لكاتب يجتهد وحده دون امتلاك الأدوات، فإن كان يمتلك الأدوات البحثية فربما اضطرته ظروف الإنتاج إلى “سلق” المسلسل (وهذا لا يغفر له).

إن الكاتب سيجتهد لا محالة في ملء الثغرات التاريخية لأنه يكتب للصورة، ويجب أن يكون اجتهاده في إطار التاريخ الموجود لا أن يصنع تاريخا من رأسه، ولو بحسن نية.. حسن النية هذا الذي دفع من قبل أناسا لتأليف أحاديث نبوية لكي يحثوا الناس على فعل الخير وترك المعاصي.

ولا يطلب أحد أن يكون الكاتب محايدا، فهذا لا يستطيعه بشر ولا حتى الباحث العلمي، ولكن كما نطلب من الباحث الالتزام بمقاييس البحث العلمي، يجب أن نطالب كاتب التاريخ خصوصا بالالتزام بالتاريخ لأنه يعيد تقديم التاريخ الذي وقع ولا يؤلف قصة من خياله.

لم أصدق نفسي حقا حين شاهدت مسلسل صلاح الدين، الذي لم يتردد كاتبه أن يذكر أن صلاح الدين مثلا شرب الخمر في شبابه، أو أن البطل الكبير عماد الدين زنكي غدر بحامية إحدى الحصون بعد أن أعطاهم الأمان، أو أن عبد الرحمن الداخل قتل أسرى في بعض حروبه مع اليمنية، أو أن البطل الكبير المنصور بن أبي عامر ذروة تاريخ الأندلس كان يشرب الخمر قبل أن يتوب عنها .. وهكذا. هذا هو المطلوب فعلا، أن نقدم أبطالنا بشرا كانت لهم أخطاؤهم وفي السياق الطبيعي الذي لا يجعل هذه الأخطاء تأخذ كل الصورة ،كما يفعل مزوري التاريخ من الأعداء لأغراضهم، ولا أن تختفي من الصورة ،كما يفعل مزوي التاريخ منا بحسن نية، وأن تقدم الشخصية التاريخية بأقرب ما يمكن لحقيقتها التاريخية لا بأفضل ما يمكن ولا بأسوأ ما يمكن.

وأطمئن الجميع أن هذا لن يخدش لأبطالنا بطولتهم، ولكنه سيجعلهم مثالا قريبا من الناس وقابلا للتكرار والوجود، بل سيعود الناس على أن يفهموا أنهم ليسوا شر خلف لخير سلف، بل هم من الأمة التي كالغيث لا يدرى أولها خير أم آخرها. وعلى أن يحكموا بالموضوعية والعدل فيقبلون الخير ويرفضون الأخطاء، ويزنون الناس بحسناتهم وسيئاتهم ، فكل بني آدم خطاء.

وكذلك يجب أن نحاول فهم أولئك الذين خانوا، لماذا خانوا؟ وما هي حججهم وأفكارهم؟ وكيف استطاعوا أن يغلفوا هذه الخيانة بعبارات وشعارات وحجج إسلامية.. سنرى في التاريخ أمثال صدام وعرفات وعبد الناصر ومبارك ممن ذبحوا الأمة وقدموها لعدوها لقاء أن يظلوا على كراسيهم (وإن كنت أعتبر أن تاريخنا لم يعرف ملوكا كملوك هذه الأيام في الخيانة أبدا، ولهذا حديث وتفصيل آخر).

إنه من الضروري أن نفهم الشر والفساد والاستبداد كيف يتغطى بـ”الوطنية و العروبة ومصلحة الأمة”، وقديما كان سيدنا حذيفة بن اليمان يسأل النبي عن الشر مخافة أن يقع فيه، ومسلسل (ملوك الطوائف) خير من قدم هذه الأمثلة من الطغاة: المعتضد بن عباد، والوزير أبو بكر بن عمار وزير المعتمد. وما يمكن أن يجنيه هذا على الأمة التي تساقطت في عهدهم عواصمها كما سقطت في عصرنا القدس وكابول وبغداد، وعواصم أخرى مهيأة للسقوط.

بقيت شخصيات ترددت بين الخير والشر، أو وقفت في مناطق بينهما فلا يغلب عليها الخير أو الشر إلا في عند الأهوال والأحوال، وستبقى هذه شخصيات يختلف فيها المؤرخون أبد الدهر، وهذه حقا مهمة جسيمة لرجل يريد أن ينقل التاريخ عبر الصورة، وهو مهما فعل فلن يرضي جميع الأطراف، وإني أشهد أن ذلك الساحر المبدع د. وليد سيف قد قام برسم هذه الشخصيات خير قيام وحاول أن يقدم لها الصورة المتماسكة والتي تتراوح بين الخيانة والبطولة أو تقف فيما بينهما أو حتى لا تتبين أحيانا قرار الصواب من قرار الخطأ، بل أحيانا كان يذكر اختلاف المؤرخين في ثوب درامي بديع. وهو رسم للشخصية يراعي أحوالها وأهوالها وإمكاناتها وطريقة تفكيرها ومواقع مصالحها مما يجعلك تشعر أنك ترى تاريخا حيا نابضا لا مجرد سرد لما في بطون الكتب.

فمن هذه الشخصيات مثلا : الأمير الشاعر أسامة بن منقذ ومعين الدين أنر حاكم دمشق والعاضد خليفة مصر الفاطمي (مسلسل صلاح الدين) أبو مسلم الخراساني وأبو سلمة الخلال وعبيد الله بن أبان والمغيرة بن الوليد وعبد الملك المرواني (مسلسل صقر قريش) وغالب الناصري وجعفر المصحفي الحاجب والحسن بن كنون وعبد الله بن الملك المنصور (مسلسل ربيع قرطبة) ويزخر مسلسل ملوك الطوائف بهذا النوع من البشر.

وخلاصة القول: أنك ترى تاريخا حيا نابضا، ورسما بديعا للشخصيات بعيدا عن حدية الأبيض والأسود وحدية الخير والشر وحدية البطولة والخيانة، وهذه النقطة تحديدا في نظري أكبر ميزة لمسلسلات وليد سيف عن غيرها، حتى أننا كثيرا ما نختلف في التقييم أصدقائي وأنا لبعض الشخصيات، كما نختلف في الحقيقة في تقييم شخصيات واقعية معاصرة لأننا رأينا تاريخا يقدم صورة أقرب إلى المتكاملة وأقرب إلى البشرية، حيث الأخطاء لها أسباب ولها مبررات ولها تفسيرات وكذلك البطولة قد تكون سمعة ومفخرة وليست عملا خالصا لوجه الله والأمة.

ولعلي قد أطلت في هذا الجانب : جانب الأمانة العلمية في العمل الدرامي التاريخي، وهي إطالة بعضها مقصود لما أرى من فضائح في مسلسلات أخرى، وبعضها غير مقصود لانبهاري بما يكتبه الدكتور وليد سيف.

هل تصدق مثلا أن مسلسل (هارون الرشيد) المصري – وأنتج تقريبا منذ 12 سنة – كان هارون الرشيد (قام بدوره نور الشريف) يلبس الأخضر والأصفر والأزرق من الثياب، بينما طالب التاريخ المبتدئ يعرف أن الدولة العباسية منذ نشأتها وحتى عصر المأمون كان شعارها السواد وكانت تلبس الثياب السوداء.

وهل تصدق كذلك أن مسلسل (أبو جعفر المنصور) السوري الذي عرض في رمضان الماضي (1429 هـ / 2008 م) قدم العباسيين وكانوا يلبسون السواد حتى قبل أن يظهروا الدعوة ويحوزوا الدولة في خطأ يعد فضيحة حقيقة لكاتب السيناريو أولا وللمخرج ثانيا.

على أية حال، بقيت نقطتان في جانب الامانة العلمية هذا نذكرهما بإيجاز:

1) الأمانة العلمية في نقل معسكر الخصم أو العدو.

كان الصليبيون أعداءنا .. نعم، وذبحوا الآلاف ..لاشك في هذا، وكان تخلفهم الحضاري وتوحشهم الحيواني لاشبهة فيه، ولكن هذا لا يمنع أن يكونوا أبطالا صناديد في القتال، وأن منهم من كان يؤمن بعقيدته إيمانا يبذل فيه النفس والنفيس، كما كان منهم خونة وقتلة وأهل بطش وقسوة.

ليس من الواقعي أبدا أن نصور كل الأعداء ،كلهم وفي سلة واحدة، بأنهم أحط أهل الأرض أخلاقا ونفوسا وطباعا، هذا فضلا عن أنه ضد الطبيعة البشرية فهو مخالفة لحقائق تاريخية، ونحن نرى في عصرنا هذا نشطاء السلام الإسرائيليون ولهم حقا فعاليات ونشاطات مهمة ومشكورة، فلا هذا يحببنا في إسرائيل ولا هو يمنعنا من مقاومتها ولا هو يحذف من عقولنا الصورة الوحشية الدموية لإسرائيل.

وفضلا عن تلك الأمانة العلمية في الوصف، فإني لا أعرف كاتبا آخر اهتم بتفاصيل معسكر الخصم وما يدور فيه كما فعل الدكتور وليد سيف، حتى لو كان المسلسل يناقش فترة تاريخية مزدهرة لا يأخذ فيها الأعداء نصيبا كبيرا من المشهد مثل مسلسل ربيع قرطبة.

2) تنبيه مهم.

أخشى بعد هذا أن يفهم أحد أني أريد أمانة علمية تبحث عن أخطاء أبطالنا وعن بطولات أعدائنا، وأن يكون هذا هو “الأمانة العلمية”. وقد مورس هذا ضدنا في مجال الفكر والتأريخ يوم أن سيطرت على بلادنا حكومات الاستعمار ثم عملاؤهم، وصعد “مثقفون” إلى مناصب التعليم والثقافة لأنهم لم يكونوا يفعلون إلا هذا، بل أشد منه كانوا يزورون التاريخ تزويرا فاحشا، بل ويزورون التاريخ القريب لا البعيد فقط، وقد من الله علينا في هذا الزمن بحرية نسبية للإعلام من خلال الفضائيات والانترنت فصار الكذابون لا يحوزون ما كان لهم من سطوة فيما مضى. ولئن كان كل مهتم بالفكر الآن يعلم من هم المنافقون والكذابون من المرتبطين بالحكومات أو الاستعمار، فيشبعهم لعنة واحتقارا. فلم يكن هذا متاحا لمن كان قبلنا فارتفعت نفايات الفكر وأصبحت أسماءا كبرى، ولو قدر لهم ما قدر لخلفهم ما صنعوا فتيلة.

القصد أن يقدم التاريخ كما هو، لا تاريخ المناقب ولا تاريخ المثالب، حتى نعمق بطولاتنا ونستفيد من أخطائنا، وهي بطولات بشرية ولهذا تستحق التعظيم وهي كذلك أخطاء بشرية ولذا تستحق التقويم. ويظل التاريخ الإسلامي أفضل تاريخ بشري، ويظل المسلمون حقا وصدقا أعظم أمة صنعت حضارة إنسانية أخلاقية لم تتكرر حتى يومنا هذا. فالمنهج العلمي النزيه هو من يحكم بهذا ويصدق عليه، وشهادة التاريخ هذه لمن لم يؤمن بقوله تعالى (كنتم خير أمة أخرجت للناس)

 

لو كان يخلد قوم بمجدهمو *** أو ما تقدم من أيامهم خلدوا
أو كان يقعد فوق الشمس من كرم *** قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا

(1)

كنت على أحر الشوق في رمضان الماضي ( 1429 هـ ) لأن أشاهد مسلسل ” سقوط غرناطة ” ، وهو المسلسل الأخير في سلسلة تاريخ الأندلس التي كتبها المبدع الموهوب نادرة الزمان بحق الدكتور وليد سيف ، وهي تبدأ بمسلسل ( صقر قريش ) ثم مسلسل ( ربيع قرطبة ) ثم مسلسل ( ملوك الطوائف ) .. غير أن المسلسل لم يعرض ، وتضاربت حوله الأخبار على الانترنت برغم أن المسلسل بحسب كثير من الأخبار كان جاهزا للعرض منذ رمضان ( 1428 هـ ) ولكن خريطة الإنتاج لم تسمح بعرضه في تلك الفترة ، ثم اختفت حتى الأخبار الأكيدة حول مصير المسلسل في رمضان ( 1429 هـ ) .

ترى هل انتبه الرقيب العربي أخيرا إلى خطورة ما يكتبه وليد سيف من دراما ، خصوصا بعد مسلسل ( ملوك الطوائف ) ؟ لعل هذا ما قد حدث ، فإن الذي لاشك فيه أن ( ملوك الطوائف ) إن كان عرض لتلك الفترة البائسة من تاريخ الأندلس وهي تشبه إلى حد كبير حاضر دولنا العربية المتفرقة فإن ( سقوط غرناطة ) سيكون غرناطة سيكون أبلغ في المأساة ، لن يفوت الكاتب الكبير أن يحكي فيه سقوط بغداد وكابول وإن كان يتحدث عن غرناطة .. إنها النتيجة التي يخبرنا بها التاريخ والتي لا أشك لحظة أن عقل وقلم وليد سيف لن يمسك بها فيبدعها .

في أمر الكتابة عن الدكتور وليد سيف ، لابد من الإمساك بعدة محاور رئيسية ، ثم التفرع فيها إلى فرعيات كثيرة .. ودائما حير الجمال الأدباء والشعراء ، فقد يكتب الشاعر بيتا جميلا لكن حين يثني أديب أو شاعر على هذا البيت فقد يستغرق صفحات وصفحات .. الجمال بطبيعته مكتنز ، كشعاع النور مثلا ، مهما بدا لك واضحا وجليا فإن جماله محير ووصف جماله محير أكثر ومعجز أكثر وأكثر .. ومحاولة تحليل جماله وتعديد مظاهره أمر عسير بل ومحال .

ومن المذهل المثير للدهشة حقا أنه ما زال اسم الدكتور وليد سيف مغمورا في بحر الإعلام ، والبحث على الانترنت لا يعطيك عنه إلا مواد قليلة برغم أنه يعد بحق أعظم كاتب للدراما التاريخية بإطلاق ، وبلا منافس ، وإذا حاولنا أن نشعه في المرتبة الأولى لأرهقنا البحث عمن يمكن وضعه في المرتبة الثانية .. إن الفارق بين نصه التاريخي لا يكاد يقارن بالمرة مع أي نص آخر ، وأحسب أن هذا من الوضوح بحيث يعترف به كل أحد .. فلا أدري هل تلك الغفلة الإعلامية عنه محض صدفة أم أن وراء الأكمة ما وراءها ؟ وإن كنت أميل إلى أن علاقة الإعلام بالفن بتوجهات رأس المال هي التي توجه التيار نحو الفن الذي لا يسمن ولا يغني من جوع .

اشتعلت في رمضان ( 1429 هـ ) معارك فنية بين المصريين والسوريين ، المصريون يصرون على أنهم الأعظم والأقدر والأقدم وأنه وإن وافقنا جدلا على تراجع مستوى الدراما المصرية فإنها استراحة المقاتل وكبوة الجواد ونبوة السيف لا أكثر ولا أقل ، السوريون يرون أن زمان التفوق المصري قد انتهى وأن الريادة الآن في دمشق وعلى المصريين إن أرادوا استرجاع مكانتهم أن يتركوا الطنطنة بتاريخهم وأمجادهم وليتواضعوا ويقبلوا بمقاعد التلاميذ لأساتذة هذه الأيام .. السوريين ، فلربما إن أحسنوا التعلم استعادوا مجد الماضي في مستقبل الأيام .

لست في معرض المساهمة في هذه المعركة الآن ، ولكني لا أجيز أن تكون مسلسلات وليد سيف من عوامل تفوق الجانب السوري ، وذلك لأن النص هو بطلها الأكبر والأول ، وهذا النص كاتبه أردني من أصل فلسطيني – طالما يحب البعض أن يفرق بين العرب حتى فيما يجمعهم - .. والدليل المتين أن المسلسلات التاريخية السورية التي لم يكتبها وليد سيف تحفل بفضائح علمية ورداءة فنية لا تخطئها العين .

(2)

تحمل المسلسلات التاريخية طابعا خاصا ، فهي ليست قصة من الخيال ، بل ولا لها “مجرد علاقة” بالواقع ، لكنها قصة حدثت بالفعل ، ويصير نقلها إلى الدراما والحكاية أمرا يتطلب فوق صنعة الفن والسيناريو أمانة علمية ومجهودا بحثيا.

وبعد الأمانة العلمية والمجهود البحثي ستوجد عدة ثغرات تاريخية ، فالكتابة عن أحداث وقعت قبل ألف سنة ليس كالكتابة عن أشخاص ماتوا قبل سنين ، وإن كان الذي سيكتب فيلما أو مسلسلا عن عبد الناصر أو السادات او قاسم أمين او أسمهان أو أم كلثوم يجد أيضا ثغرات وفجوات تاريخية ، فإن لكل هؤلاء حواريون ومعجبون اجتهدوا بحثيا فملأوا تلك الثغرات بمجهود بحثي وأكاديمي فصار على الكاتب مهمة نقل هذا التاريخ – المكتمل والمتناسق إلى حد كبير – إلى ساحة الدارما .

ليس هذا متيسرا في حال الكتابة عن تاريخ قديم ، ففضلا عن أن كثيرا من كنوز التراث الإسلامي أغرقت أو أحرقت أو أتلفت على يد همج ليس لهم في الحضارة نصيب ، في اجتياحات التتار أو حروب الصليبيين في المشرق ، وخصوصا حين طرد المسلمون من الأندلس .. وهذا بدوره أضاع كتبا كثيرة تحمل لاشك تفاصيل تاريخية هامة عن التاريخ الإسلامي عموما وتاريخ الأندلس خصوصا .. فضلا عن هذا فإن القدامى لم يكونوا مولعين بالتأريخ اليومي للحوادث ، الذي بدأه – على حد علمي الجبرتي في تاريخه – بل كانوا يؤرخون بالسنين .. فطبيعة العصر وقتها لم تكن بالسرعة التي نعرفها الآن ، ووصول الأخبار نفسها كان يستغرق اياما وربما شهورا ، فقد تمسك بالكتاب فلاتجد في بعض السنين من الحوادث المهمة شيئا ، أو قد يكون فيها حدثا أو اثنين فقط يراهما المؤرخ مستحقين للتأريخ .. وكان البعض من المؤرخين يؤرخون بـ “التراجم” ، حيث يجعل الشخصية التاريخية هي المحور فيؤرخ لها ويروي التاريخ من خلالها.

وكلما أردنا صناعة تاريخ متماسك ومتقص للتفاصيل كانت حاجتنا إلى مجهود بحثي أكبر وأعظم ، وقد قام بهذا كثير من المؤرخين المسلمين المحدثين ، ويمكننا أن نجد تاريخا مفصلا للحروب الصليبية مثلا في موسوعة الدكتور سهيل زكار ( موسوعة الحروب الصليبية - طبعت في خمسين مجلدا ) ، وكذلك نجد أفضل تأريخ لمرحلة الأندلس في موسوعة الدكتور محمد عبد الله عنان ( دولة الإسلام في الأندلس ) . وهذه مجهودات بحثية ضخمة جمعت أشتات التاريخ المتفرق من المصادر العربية والأجنبية وجعلتها في كتاب واحد ، ولكنها – وحدها – لا تغني في رصد كل جوانب الحياة التاريخية كالجانب الأدبي مثلا ، وهو جانب لا يستغني عنه كاتب الدراما المجتهد ، فما بالك لو كان الكاتب نفسه شاعرا وأديبا كالدكتور وليد سيف . بل هي أيضا لا تجيب عن كل الأسئلة إذا نظرنا إليها من منظور من سيحكي قصة مصورة ففي التاريخ قد تختفي شخصيات فاعلة في خضم الأحداث ولا يعرف على وجه الدقة كيف كانت تلك النهاية ، وكذلك تولد شخصيات فاعلة ولا يعرف على وجه الدقة كيف كانت البداية .

إذن .. رصد التاريخ القديم بشكل متماسك هو مجهود بحثي وحده .
ثم محاولات رصد الجوانب الأخرى التي لا علاقة لها – بشكل ما – بالتاريخ السياسي مجهود آخر ويتطلب دون شك الرجوع إلى المصادر القديمة أو الدراسات الحديثة المتخصصة في هذه الجوانب .
ثم الإجابة على هذه الأسئلة التي لابد ستثار إذا انتقلت الحكاية إلى الصورة ، ومن ثم لابد من الإجابة عليها مجهود ضخم آخر .. وهو هنا مجهود يتحمله كاتب القصة بالكامل – إن لم يكن في التاريخ إجابة واضحة – ويتحمل مجهودا أكبر إن اختلفت الروايات التاريخية في بعض الإجابات .. هنا يوضع الكاتب على محك كبير .

فإما أن يهرب من الحادثة أساسا ، وهذا كالذي خرج من الدنيا لا له ولا عليه ، وإما أن يبذل مجهودا عقليا وبحثيا في اختيار وتفسير اقرب الروايات إلى رؤيته لتلك الفترة ، وهذا يصير مجهوده هو الحاكم عليه فسيرضى عن اجتهاده بعض ويغضب آخرون ، وهذا طالما التزم بالصحيح من التاريخ وتحركت تفسيراته في إطار ماهو ثابت يكون أفضل الحالات ، وإما أن يدع كل هذا جميعا ويبحث عن “حبكة” درامية ولو خرجت عن إطار “التأريخ” إلى إطار “التأليف” ( وهو في الحقيقة تزوير وتزييف ) .. وهذا أسوأ الجميع ، وغالبا ما تكون هذه المسلسلات فضيحة علمية . وشخصيا أرى أنه لا يجب أن يسمح بعرضها لا من قبيل تقييد الإبداع بل من قبيل احترام المنهج العلمي .

 

* كنت أفكر وأقول : إن التحدي القادم أمام الإسلاميين ، بعد صدور رواية إسلامية رومانسية ، ليثبت بهذا أن الأدب الإسلامي ليست له خطوط حمراء من جهة الموضوع .. ( وطبعا مع قصص كالتي أبدعها الأستاذ عصام عبد الحميد ) ، التحدي القائم هو إنتاج أعمال فنية تناقش الحب والرومانسية من منطلق إسلامي وبالضوابط الإسلامية .. وأثرت هذا الموضوع للنقاش في بعض جلسات الحوار مع أصدقاء ، وكان لابد من سؤال صاحب الفتح ، أعني الرواية الرومانسية الإسلامية ، فإذا لم نكن نحتاج لنحصل على رواية رومانسية إسلامية إلا لقلم موهوب ومنضبط ، فماذا نحتاج لإنتاج عمل فني إسلامي رومانسي ؟ .. أو يمكنني أن اسأل بشكل آخر فأقول : كيف يتم تحويل ” حتى لا تموت الروح” إلى فيلم أو مسلسل .. دون الإخلال بالضوابط الإسلامية ؟

آخر القضايا التي أرقتني أنا ومنال قبل دخولها في معارك المرض وكنا نقضي أمسياتنا الأخيرة وأنا أعمل سائق لفتاة الثانوية العامة في السيارة في ليالي رمضان نتحدث في هذا الأمر .. وكنا نبحث عن مخرج لهذا المأزق ، ولدينا بعض الأفكار لم تتحول بعد لتجارب ..

 في حالة ( حتى لا تموت الروح ) لا يمكن تحويلها لعمل تمثيلي .. لأن أهم خط من خطوط شخصية البطلة هو كيفية التبعل والتحبب والعشق لزوجها ، ولا يمكن تجسيد هذا الدور إلا عن طريق ممثلة إغراء لعوب ، وهو ما يتعارض مع هدف وروح الرواية نفسها ورسالتها !!

بالنسبة لسؤالك هو يحتاج أيضا إلى فقه منفتح وإلى الفقهاء وعلماء الأمة ليفكروا في كيفية الخروج من هذا النفق .. وكنت أعددت مسودة مقال في شهر رمضان الذي مرضت فيه منال بعنوان الفن الملتزم بين التطور الهائل في التقنيات والرؤى الفنية ، وثبات الفقه الإسلامي ..

فهذه قضية في ظني أنها أكبر من طاقاتنا الإبداعية ، ربما يحسمها الزمن .. ولكن قريبا إن شاء الله ستكون هناك تجارب ومحاولات قد تصيب وقد تخطئ ..

* ربما أعزم عليك أن تخبرنا – ولو بإيجاز – عن أفكارك للفن الإسلامي .

بعض هذه الأفكار تنظيري وبعضها تطبيقي وعلى سبيل الإجمال ..

• نحتاج إلى حسم موضوع تمثيل المرأة عموما والحدود المتاح أن تظهر بها في الأعمال الدرامية وذلك من خلال الفقهاء العدول الثقات بعيدا عن التفريط والتشدد ..

• وأظن أن الدراما مثلها مثل أي عمل مهني تحتاج إلى تراكم الخبرات والممارسة والتدرج والتجريب بالمحاولة بين الصواب والخطأ .. ولذا أرى أن يكون للملتزمين تجاربهم التدريجية باستخدام أفلام الديجتال في البداية لسهولة التكلفة وحشد الإمكانات الفنية المناسبة للمجموعات الصغيرة

•  الاعتماد على الذاتية وروح الفريق ، بحيث أن تعمل فرق الإنتاج ( الديجتال ) بعيدا عن الجماعات الإسلامية لا لشيء سوى لتحقيق السرعة والسهولة والسيولة في العمل بعيدا عن روتين الاعتماد وحشد الطاقات المادية .. أي يكون العمل فيها قطاع خاص بعيدا عن انتظار دعم الجماعة أو المؤسسة الأم

• الاعتماد على تقنية السي دي والانترنت والمدونات في الترويج

•   أن يحدث نوع من التكامل بين الكاتب الأديب وبين السيناريست بحيث يتم وضع سيناريو بنفس رؤية الأديب الملتزم دون الإخلال بالقواعد الفقهية للعمل الملتزم .. شخصيا أكتب رواية رومانسية الآن آملا تحويلها لعمل درامي ، ولذا أكتبها بحس السيناريست لا من حيث تمكنه ، ولكن لا أحشوها بالمواقف الساخنة التي قد أقبلها مكتوبة إذا وظفت لضرورة فنية وبأسلوب عفيف ، ولكني بالطبع لا يمكنني الموافقة عليها مجسدة على شاشة مرئية أو مسموعة ، ولذا أكتب العمل بحيث لا يكون فيه ما يجرح فقهيا ولا شرعيا ..

• وكذلك التواصل مع الخبرات الفنية الملتزمة ومحاولة توظيفها في مشروع الفن الملتزم من أمثال النجوم ( إيمان البحر درويش – حسن يوسف – وجدي العربي – الحاجة سهير البابلي – منى عبد الغني وغيرهم من الملتزمين ) بحيث نوفر لهم النصوص الجيدة بدلا من لجوئهم للعمل في نصوص غير جيدة أو غير موظفة دعويا بالشكل المطلوب ..

• التواصل كذلك مع الفضائيات المنتشرة لتسويق مثل هذه الأعمال

• وضع شخصية فنية معينة للعمل الإبداعي الملتزم ، بمعنى ألا ننساق بالضرورة وراء تجارب الآخرين المعتمدة مثلا على الأكشن والإثارة ودراما المناظر .. فيمكننا تحقيق نوع من الخصوصية ومحاولة البحث عن مواطن للجمال الفني والجذب الجماهيري تكون مرتبطة بشخصيتنا الإبداعية ..

•  شخصيا أبذل جهود للتواصل مع بعض السينمائيين الشبان في مجال الديجتال للعمل في هذا المجال ، وربما رأيت ثمرة هذه الاتصالات قريبا إن شاء الله

• أخيرا التركيز على القضايا العامة للمجتمع بحيث لا يولد فنا فئويا لفئة دون أخرى ولكن يجب أن يخاطب جميع الجماهير ، لضمان تحقيق رسالة أوسع أولا ، ولتحقيق الشعبية والجماهيرية ثانيا ، ولضمان تمويله ثالثا .. حيث ثبت لي بالتجربة – أتمنى أن أكون مخطئا في الرصد – أن الملتزمين هم أقل الناس تمويلا للفن وللأدب وللثقافة بكافة أشكالها .. أي نريد أن نعمل بمفهوم الفن لبحث وحل مشاكل الأمة والجماهير ، والترويح عنهم ، والمشاركة في صناعة الروافد الثقافية والحضارية وتشكيل وجدان الأمة ، لا أن نقنع بصناعة البديل الملتزم لطائفة الملتزمين فحسب .. فينشأ فننا فئويا ضيقا ويموت في مهده ..

* إذا لم يكن ممكنا – كما تقول – تحويل الرواية إلى عمل فني ، ولو أني أخالفك الرأي ، وأشعر أنه ممكن صياغة الرواية في عمل فني مع وجود سيناريو محترف ومخرج منضبط ، وكثير من اللقطات الصامتة المصحوبة بموسيقى تصويرية مبدعة .. لكن ، إذا لم يكن هذا ممكنا برأيك .. فهل لن يعرف الفن الإسلامي طريق أعمال رومانسية تصف العاطفة الحلال وتشكل بديلا عن سيل الانحلال الذي يحاصر الناس ؟

بالنسبة لرواية حتى لا تموت الروح على وجه الخصوص فلها مكانة معينة في نفسي ، ولذا أضن بشخصية منال أن تجسد دراميا .. سمها غيرة أو أنانية أو حب تملك .. عموما هي رؤية شخصية لا تنطبق بالضرورة على باقي الأعمال الأدبية ولو كانت رومانسية .. بالنسبة لحتى لا تموت الروح .. هناك أفكار لتحويلها لعمل درامي غير مرئي ربما إذاعي ، وإلكتروني .. قريبا إن شاء الله ..

بالنسبة للأعمال الرومانسية المحترمة ، فلها قواعد وأصول وأفكار للإنتاج الدرامي كما ذكرت في الإجابة السابقة .. ولا مانع من إنتاج عمل درامي رومانسي بالشروط والمعايير السابقة ، مع الأخذ في الاعتبار أنها رؤية شخصية وليست قواعد شرعية ..

* سؤال من حقك ألآ تجيب عليه : من أشبه البنات بأمها ؟ .. ربما الإجابة تسوق لها طالبي الزواج منذ الآن ، ويجب عليك أن تشكرني حينها ؟

يسعدني الاجابة عليه .. فهاتيك الورود من بستان واحد .. ومريم وفاطمة الزهراء كلتاهما قطعة من أمهما نفخت فيهما من روحها .. وجاء أبيهما ليؤصل مثاليات الأم في سطور يحفظنها ويعملن بها إن شاء الله تعالى .. مريم في الصف الأول الإعدادي وتحفظ عشرين جزء من القرآن الكريم ، وترتيبها الدائم بين الثلاث الطالبات الأوائل في مدرستها ، وهي فنانة بالفطرة تمتلك جمال الصوت والأذن الموسيقية ، وفاطمة في الصف الرابع الابتدائي وتقترب من حفظ الجزء العاشر ، وهي الأولى على صفها المدرسي ، وتتميز بقدراتها التربوية وموهبتها الفطرية في القيادة والتوجيه !!

* هذا اقتراح أود أن أعرف ردك عليه : المقالات التي كتبت قبل وبعد الرواية تشكل – على الأقل بالنسبة  لي – إضافة لا يمكن تجاوزها لهذه الرواية ، أو هذه السيرة الذاتية بمعنى أدق ، هل تنوي أن تلحقها بالرواية أو أن تصدرها حتى كأعمال منفصلة ؟؟

أعود فأذكرك أخي الحبيب أن هذا دليل قاطع وأكيد أن رواية حتى لا تموت الروح كانت أقل بكثير مما تستحق منال .. وأن شخصية منال لا يمكن أن يوفيها عمل أدبي واحد مهما اتسع .. ولذا فإن ما قرأت من أعمال لاحقة أو متزامنة مع الرواية على صورة قصص قصيرة أو خواطر أدبية ، فهي تمثل مجموعة قصصية على وشك النشر إن شاء الله بعنوان ( حبيبتي ) ، وتضم القصص التي كتبتها في حياتها عنها وعن حياتنا معا.. وهي ( الموعد – أحلام الحب – الصراع – المحاولة الأخيرة – دار أم جهاد – حدود الخطأ – فرق سرعات )
والتي كتبتها بعد وفاتها وتشمل ( حبيبتي – خطأ في شهادة وفاة – خواطر في زمن الانعدام – زاهدة – مراسم – مصحف وصورة وهدية من خلف جدران القبر )

كما أنتوي أن تكون هناك كتابات أخرى لاحقة إن شاء الله منها ( رسائلنا – رسائل حب )

.. كما أفكر في إصدار رواية خاصة عن منال ما قبل الزواج .. ذكرياتها قبلي .. بعنوان مقترح ( فتاة من دمنهور ) ..وأمنيتي أن أكتب شيئا للمتزوجين فقط عن تفاصيل رقيقة في الحياة الزوجية .. والبقية تأتي إن شاء الله

* كتبت قائلا ” سرقة رواية حتى لا تموت الروح” هل لك أن تخبرنا عن قصة الأزمة مع دار النشر بالتفصيل ما أمكن ؟

أعفني قليلا من الحديث في تفاصيل هذا الأمر .. فملف هذا الموضوع برمته في يد مستشاري القانوني وفي طور الإعداد الكامل ، ولذا لا يحق لي الحديث عنه مطلقا في الوقت الحالي ..

كل ما أستطيع ذكره ، أنه بسبب غربتي وبعدي عن موطن الحدث ، وصلتني أنباء متضاربة لا يمكنني التأكد من صحتها بشكل قاطع .. ساعد على ذلك غموض الموقف بشكل عام ..

ولا أريد أن أتحدث في الأمر أكثر من ذلك تاركا فرصة لجهود وساطة الأصدقاء أن تبذل لاحتواء أي أزمة .. راجيا أن يكون ما وصلني من أنباء غير صحيح ، وشاكرا للدار دورها في نشر هذا العمل متمنيا أن يظل حماسهم في نشره وتوزيعه على أحسن ما يكون .. حتى يستمر التعاون بشكل مثمر وبناء إن شاء الله تعالى ..

* ألا ترى أن الوصف الدقيق جدا لبعض التفاصيل كان زائدا عن الحد ، مثل وصف المسكن في السعودية وما بينه وبين الحرم وأسماء الشوارع والأسواق ، ووصف بيئة البطل والبطلة .. بدليل أنه لو حذف تقريبا ما كان له أثر على الرواية ؟

أعود سريعا فأقول لعل هذا راجع للازدواجية بين كتابة المذكرات أو السيرة الذاتية وبين الرواية الأدبية .. فانا يا صديقي من أبناء أو قراء والمتأثرين بالمدرسة الأدبية الكلاسيكية ، وهي مدرسة تهتم بالمكان اهتماما خاصا .. وأتذكر أنني كتبت في نعي نجيب محفوظ مقالا يصفه بصاحب مدرسة أدب المكان .. فروائع نجيب محفوظ الثلاثية وزقاق المدق وخان الخليلي ، وميرامار وثرثرة فوق النيل والكرنك .. كلها أعمال ركزت على المكان ، ثم روائع الدراما التلفزيونية لأسامة أنور عكاشة ( ليالي الحلمية – زيزنيا – عفاريت السيالة … ) وعلى دربهم يسير الدكتور علاء الاسواني ( عمارة يعقوبيان وشيكاغو ) .. كذلك تجد في الأدب العالمي ، فهوجو الذي نصحت بالقراءة له لتقارب ما بين أسلوبي وأسلوبه ، في  أحدب نوتردام ، ورجال البحر ، تجد تركيزا كبيرا في وصف الأماكن بدقة .. والمكان من وجهة نظري الأدبية يجسد العمل ويجعل له بعدا في الحياة ، وينقله من عالم الخيال إلى عالم الواقع ..
 
ورغم إيماني الكبير هذا بقيمة المكان إلا انك ربما تتذكر مسودة العمل وقد خلت من ذكر الأمكنة تقريبا حتى نبهتني الأستاذة سهيلة عزوني عاتبة علي إغفال المكان على أهميته ، فتداركت ذلك في مراجعة الرواية .. كما كانت لطبيعة مكة الكونية وشوق القراء لزيارتها أثرا في دقة وصف أماكنها ليعيش القارئ بعض أجوائها ..

* لم يصدق البعض أن “منال” كانت تطلب منك بنفسها الزواج من أخرى لأنها ترى أنها لا تستوعب كل طاقة الحب والعاطفة عندك .. وهو موقف عجيب وغريب ونادر ، فكيف ؟

لو أقسمت أن هذه هي الحقيقة وأنها كانت تفعل ذلك بإلحاح يزعجني ويغضبني بشدة .. هل تصدق بعدها أن شخصية منال كانت شخصية مثالية يندر تكراراها ؟

هل تصدق بعد ذلك أنها شخصية بلا سلبيات ونقائص حقيقية مؤثرة ؟

لقد كانت منال تطلب مني كثيرا وبإلحاح غريب أن أتزوج .. حتى خشيت حقيقة من أمرين فحذرتها من الأول ، ولم أذكر الثاني .. الأول ان تجعل الفكرة نفسها قريبة مزينة محبوبة في نفسي من كثرة إلحاحها عليها ، وقلت لها إياك وهذا الأمر فإنك بذلك تعذبيني ، فالزوجة الثانية – التي هي حلال في الشرع لا خلاف على ذلك – بالنسبة لي كزوجة أب لي ، فهل تريدين أن تبتليني بزوجة أب ، وأنت وأمي على قيد الحياة !!

وكنت أمزح معها أحيانا فأقول لها : موافق على الزواج بأخرى بشرط أن يكون أول حرف من اسمها  ( منال محمد نور الدين السكنيدي ) .. وكانت تقسم لي أنه يوجد كثيرات أفضل منها ، وأنها تعرف أخوات كثيرات خير منها .. وهنا كنت أخشى من الثانية ، وهي أن ترشح لي بنفسها أختا للزواج منها ..

سأروي لك موقفا – واعذرني للاستطراد لأن هذا أمر سئلت عنه كثيرا – كنا في أحد اللقاءات مع أخوة كرام  وجاء الحديث عن طبائع النساء ورفضهن لفكرة الزوجة الثانية ولو كانت الزوجة الأولى تحمل من الإيمان كذا وكذا .. وتحدى أحدهم وهو أستاذ فاضل ، لو أن زوجا ذكر لزوجته على سبيل الاختبار أنه هناك امرأة ذات ظروف صعبة جدا وانه سيضطر للزواج منها في أن زوجته ستقبل وترضى بهذا أبدا .. وأعجبتني الفكرة ، فأردت أن أؤكد أن زوجتي ليست من هذا النوع – رغم يقيني السابق بأنها ستوافق على الفور .. فعدت من اللقاء راسما الشرود الذهني ومتقمصا دور مشغول البال بشدة ، فلما سألتني حدثتها عن امرأة زوجة لأحد الأخوة مات زوجها وهي في حاجة ماسة لزوج يراعاها ويقوم على شؤونها ونحن في غربة ، وأن الأخوة أحجموا عن هذا الأمر خوفا من المسؤولية ومن زوجاتهم ، فشردت دقائق ثم قالت في حزم : توكل على الله .. فلتكن أنت هذا الزوج .. بل لابد أن تكون أنت من يتقدم لهذا الموقف فمن له إن لم يكن حبيبي !!

في فترة ما كنا نفكر – وما أوسع أحلام الشباب وخيالاته – أن نهاجر إلى إحدى الجمهوريات الإسلامية السوفيتية ، ونشتغل بتعليم الناس هناك اللغة وبعض أمور الفقه ، وفكرنا في أن أتزوج بامرأة من تك البلاد حتى يستقر بنا المقام هناك .. وكانت منال مشاركة في الحلم ، موافقة على الفكرة ومرحبة بذلك ..

هل رأيت أحلام واهتمامات مثل هذه ؟

مجرد أحلام وتخيلات فهل تراها تثاب على هذه الأحلام العبقرية البريئة ؟

وربطت الظروف بيننا وبين فتاة في موقف صعب ، وتولينا أمر مساعدتها على الخروج من موقفها بتوفيق من الله ، وكانت منال تقول لي بصدق عجيب : لولا أنني  اعرف رفض أهلها القاطع لفكرة الزواج من رجل متزوج لطلبت منك الزواج بها ..

هكذا يا أخي كانت منال .. إحدى القمم المجهولة في عالم لا يهتم إلا بالكاسيات العاريات اللاتي يتعبن جدا في إبراز مفاتهن في الكليبات والأعمال الدرامية فيخلدن في مسلسلات وأفلام وكتب وجرائد ومجلات وبرامج .. أما أمثال منال فلا بواكي لهن !!

* ما ترى في مسألة أن “الحب يأتي بعد الزواج” هل ترى هذا ، أم مقتنع بأن الحب لابد أن يأتي قبل الزواج .. أم – كالعادة – تأتينا برأي ثالث ؟

اسمح لي في هذه المرة أيضا أن أكون كالعادة فآتيكم برأي ثالث ..

في ظني أن الحب يجب أن يحدث في مرحلة الخطبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما ..

ولابد من وجهة نظري أن يحدث نوع من الحب في فترة الخطبة .. وليس بالضرورة أن يكون حبا ملتهبا حارا ، فهذا قد لا يشعر به إلا العاطفيون بطبيعتهم ، ولكن على الأقل يحدث النوع الهادئ من الحب وهو ما يعبر عنه باستراحة كل طرف للآخر ، والأنس بلقائه ، وشغفه بحدوث هذا اللقاء ، والشعور بالانجذاب نحوه ، واستلطافه واستحسان أفكاره وطريقته ..

وأنصح على مسؤوليتي الشخصية من لم يشعر بهذه المشاعر في فترة الخطبة أن يصرف النظر عن الزواج من ذاك الطرف الذي جمعته معه فترة خطبة ولم يؤدم بينهما فيها ..

وظني أن لقاء القلوب يجب أن يسبق لقاء الأجساد دائما ، فإذا تقدم لقاء الأجساد على لقاء القلوب فلن يكتب حب أبدا ..

فإن لم تكن القبلة الأولى ترجمان لحب صادق سابق ومشاعر ملتهبة ، فكيف يمكن أن تحدث ؟

* منذ انتقلت “منال” إلى رحمة الله ، وتحولت كتاباتك – إلا قليلا جدا – لكي تدور في فلك الحب ، والمرأة ، ومنال ، والعلاقة الزوجية .. حتى بدأ البعض يشعر أنك تستعذب العذاب ، وأن الحالة قد تنتقل من الوفاء الجميل إلى العقدة النفسية .. كيف ترد ( مع الاعتذار لفيصل القاسم ) ؟

الزمن كفيل بالإجابة ..

وأستعذب الحديث عن منال لأنه يسعدني وكأنني مازلت أتحدث إليها ، ولأنني فعلا لم أفتقدها بمعنى الغياب الكامل .. وكأنها في سفر بعيد وهنا تكون سلوى العاشق في الهجران رسائل حب .. وأظن أن كتاباتي من هذا النوع للسلوى ورسائل حب .. وهدف ثالث هو علم تركته في فن التعامل مع الحياة أظن أنه مازال ينتفع به .. وكذلك للحديث عن المهمشين من صناع الحياة ، وهي قضية تؤرقني كثيرا في الفترة الأخيرة .. وبالمناسبة روايتي الأخيرة التي بدأت في نشر مسودتها عبر مدونتي ( الأمس واليوم وغدا ) لا تتناول منال وإن كانت تتناول المهمشين من صناع الحياة ..
* من قرأ الرواية من قريباتي ، وكذلك السكرتيرة عندي في العمل ، كان أول سؤال يطرحنه هو : هل سيتزوج بعدها ؟ وكلهن في الحقيقة كن يتمنين أن يسمعن الإجابة بـ”لا” .. هل ترى حقا أن الزواج الثاني بعد وفاة الزوجة هو نوع من عدم الوفاء لها أو على الأقل مما يخدش أو يؤثر فيما كان بينهما من علاقة وحب ؟

سؤال صعب ، كنت أتمنى ألا يوجه لي ، رغم أنه يطالعني بين سطور كل من أعجبت بالرواية أو علقت عليها في أكثر من موقع ومكان .. وأقول لهن مستعد للزواج بأخرى بشرط أن تختارها لي منال ، فوحدها يمكنها ان تختار لي من يصلح لي .. رحمها الله

هذا على المستوي الشخصي .. لكن لأن للشق الثاني من سؤالك أهمية قصوى أقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو قمة القدوة في كل شيء ومن ذلك الحب ومن ذلك الوفاء ، ولقد كان صلى الله عليه وسلم أحب وأوفى الناس لزوجته خديجة ، حتى غرن منها وهي ميتة رضي الله عنها ، ولم يمنعه وفاءه الذي هو قمة وفاء الإنسانية لخديجة من الزواج بعدها !!

والإسلام دين واقعي لا يتعامل مع الحالات الخاصة النادرة ، ولكن يتعامل مع الظروف البشرية بواقعية .. وظروف الحياة تحتم على الإنسان اختيارات تفرضها عليه فرضا فليس كل من فرضت عليه الحياة ظروفها القهرية قليل الوفاء لزوجته الأولى ..

وأنا أدعو الله تعالى بدعائين : أن تكون منال هي زوجتي في الجنة كما كانت زوجتي في الدنيا وأن أحظى بمكانتها في الجنة لأقترن بها .. فكثيرا  كنت أقول أن زواجنا في الإسلام أبدي في الدنيا والآخرة إن شاء الله .. يعضد ذلك كون عائشة رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ..

والدعاء الثاني : أن يلحقني بمن أحب قريبا غير بعيد برحمته ، فلا أتعذب طويلا بالحرمان منها ..

* خرجت للوجود رواية “رومانسية إسلامية” .. هل فكرت وأنت تكتب الرواية أنها أول رواية إسلامية تدور حول الحب ، وتصنف كرواية رومانسية بامتياز ؟

لا .. لم أفكر إلا في ألا تموت روح منال ، وألا تنسى مناقبها ، وأن اخرج لعالمنا علم ينتفع به تؤجر عليه صاحبته في آخرتها ..

* إذا قلنا أن الرواية ليست عملا أدبيا خالصا .. فلم حذفت منها الفصل الأخير الذي تحدث عن الأمل والذي قرأته في مسودة الرواية ؟

أريد منك أن تفرق بين ما أردته وقصدته عند كتابة الرواية ، فكنت أريدها رواية أدبية واقعية كما كتبت على غلافها .. وبين ما استطعت تحقيقه فعلا .. كان الهدف أن تكون رواية أدبية بمقاييس الأدب ، ولكن المقدمة التي بدأت بها هذا الحوار أردت من خلالها أن أقول أن موهبتي وإمكاناتي وأدواتي الأدبية والفنية قصرت بي عن بلوغ مستوى جيد على مستوى الأدب وعلى مستوى السيرة الشخصية .. وهذا لا ينفي أنني راعيت الأصول الأدبية التي نصحني بها أصدقائي الأدباء ما استطعت إلى ذلك سبيلا ..

الفصل الأخير  المحذوف نصحت بشدة بحذفه ، إلا من شخصين عزيزين على قلبي كنت أنت أحدهما في مكالمتك الهاتفية لي .. لكن ربما خذلني تواضعي المصتنع فأردت أن أتكأ على رأي الأدباء في حذفه .. وعلى العموم هو موجود في المسودة في كثير من المواقع التي نقلت المسودة ومنها حارة زعتر ومنتدى صناع والملتقى

* ” اطمئن يا عصام : عماد لم يكن يصلح له إلا منال ، ومنال لم يكن يصلح لها إلا عماد” ، هذه الجملة رأى فيها أحد الأصدقاء أنها تعبير دبلوماسي جدا من “منال” عن العلاقة بينها وبين عماد ، بينما فهمها من أعرفهم أنها تعبير عن الحب الخالص القوي ، فهمها صديقي هذا على أنها تعبير عن “المعاناة” التي عاشتها منال مع عماد .. ويستصحب على ذلك أدلة ما ذكرت عن الشخصية ذات الطبيعة النفسية الخاصة لعماد والتي تجعل زوجته هي أكثر من يعاني منها ، إلى أي مدى يحظى هذا الفهم بالصحة ؟

في ظني أنه لا يمكن فهم دقيق للمشاعر الإنسانية إلا في ضوء حزمة من المواقف .. موقف واحد مهما كانت دلالته لا يمكن أن يعطيك كل ما هو مكنون داخل المشاعر الإنسانية العميقة المستقرة في الوجدان .. وحزمة المشاعر التي ذكرت بعضا منها الرواية تسير كلها في اتجاه أريد أن أكون أمينا معك فيه .. أشياء كثيرة في حياة عماد سعيد كانت لابد لمنال أن تعاني منها ( قدراته المالية المحدودة جدا – وطبيعته النفسية شديدة الحساسية والتقلب – وعقدته النفسية عميقة الجذور بسبب مشكلة سابقة للزواج من بنات المساجد – ظروف غربته الدائمة التي حولت حياتها معه إلى هجرة شبة اضطرارية وشبه دائمة – العيش معه على الكفاف بمعناه الحقيقي … ) ومع ذلك لم يشعر عماد سعيد بتغير مشاعر منال تجاهه منذ اللحظة الذي لمس فيها كفه كفها لأول مرة بعد عقد الزواج في الإسكندرية عندما قالت له : أحبك قوي .. قوي .. قوي ..

إلى اللحظة التي لمست فيها يده في عربة الإسعاف في نفس المكان في الإسكندرية ، لتستودعه الله وتقول له- دون أن تنطق - إنها ستظل تحبه قوي .. قوي .. قوي ..

إن هذا الحب الذي بدأ أسطوريا من جانب عماد سعيد في غيابت السجن ، وبدأ في الروح قبل القلب ، وبالأذن قبل العين .. ظل هكذا أسطوريا بعد انتقال منال – رحمها الله تعالى – من دار إلى دار ..

ما لم تذكره الرواية ، ولم تذكره كتاباتي بعد ، وقريبا تذكره إن شاء الله ..

روت النساء اللاتي قمن بتغسيل منال وتكفينها .. أنها عندما دخل عليها زوجها بعد الغسل وقبيل التكفين .. همس لها في أذنها فضحكت !!!
وسألن ماذا قال لها زوجها حتى تضحك هذه الضحكة الواسعة ؟

علمت بذلك بعد عودتي للملكة بفترة زمنية .. فكذبت الرواية خاصة أنني لم ألمح مثل هذه الابتسامة ولم أنتبه لها ، فقد كنت في حال .. فطلبت من أمي وكانت رفيقتي في تلك الإطلالة على منال أن تسأل بنفسها ( المغسلة ) فسألتها ، فأقسمت لها بأنها رأت ضحكتها عندما همست لها في أذنها ..
 فكذبتها ثانية وقلت لها كيف وقد كان فمها مربوطا حتى لا يتدلى ، فعادت أمي تسألها ، فصممت ا( المغسلة ) على روايتها قائلة ، لم يكن فكها مربوطا وإنما كنت واضعة الخمار أسفل منه فقط !!

والأخوات اللاتي غسلن منال لم تكن تعرفنها ، لطيلة غربتها عن دمنهور ..

فهل رأيت حبا أسطوريا يمتد بعد الممات غير هذا ؟!

وهل يمكنك أن تجد بغتة صورتك محفوظة في غلاف ( مصحف ) ملك امرأة ، وكان مصحفها الخاص الذي تحفظ منه وتراجع ، فلم تتمكن من رؤية ذلك المصحف وموضع صورتك في غلافه إلا بعد رحيلها .. فبماذا يمكنك أن تفسر سر ذلك !!

* “أثبتت منال دوما أنها بنت فكرتها لا بنت بيئتها ، فكانت دائما بنت المسجد لا بنت الحارة” .. كيف فعلتها ؟

يوجد نشيد لأبي رابت يقول : أنا الإسلام

قالتها منال لنفسها .. فصارت هي الإسلام .. هي الدعوة .. هي الالتزام ، هي الخلق الرفيع ، هي الطهر ، هي الحياء ، هي الرقة ، هي الأحلام ، هي الأمل ، هي النموذج الذي لا يتكرر كثيرا في حياة البشر .. لم تفصل نفسها لحظة عما آمنت به .. لم تضع فاصلا أبدا بين ما يأمرها به المسجد وبين رغباتها الشخصية ، فأحبت المسجد وأوامره ، فكانت تفعل ما تحب ، وتحب ما تفعل ، ولا تفعل سوى ما يأمرها به الدين الذي تعلمته في المسجد .. فكانت منارة لأبناء المساجد وربيبات الحلقة ، عاشت وفي قلبها مسجد مقدس ثراه ، عاشت وبيتها مسجد مقدس ثراه ، عاشت وحياتها مسجد مقدس ثراه ، لم تسمح لحظة أن يتعكر صفو وطهر وسمو مسجد حياتها بما يتعارض أو يناقض أو يخالف طبيعة المسجد .. لقد عشت معها أربعة عشر سنة – بما فيها فترة الخطبة – فلم أعرف لها طموحا ولا أملا ولا رغبة ولا طلبا ، ولا متعة شخصية ، ولا حاجة نفس ، إلا كل ما يتفق مع ما يأمرها به المسجد ، ولا أذكر أنني سمعت منها كلمة إلا ما يمكن أن يلفظ في مسجد ، ولا رأيت لها سلوكا ممكن أن يتناقض مع ما يمكن فعله في مسجد .. كانت كذلك وأكثر ولا أزكيها على الله غفر لها ما لا أعلم ..

* خلبت الرواية لب من قرأها ، هذه حقيقة ، لكن : ألم تكن الرواية “مناقبية” ؟ بمعنى أنها لم تذكر إلا الجانب الحسن من شخصية البطلة ولم تتطرق أبدا إلى الجوانب السلبية ، أتفهم طبعا أن سياق العمل وظروفه يحتم – ربما – تخليد ذكرى منال لا مناقشة شخصيتها بشكل علمي أو تحليلها بأسلوب أدبي موضوعي ، لكن لو نظرنا إلى هذه النقطة من الجانب الفني والنقدي وحده ، فإننا أمام رواية مثالية لا واقعية .. ألا يعد هذا عيبا في الرواية ؟

أبدأ بالجزء الأخير من السؤال فأعترف بأن الرواية من الناحية الأدبية كلها عيوب ، فانا لا أدافع عن الرواية كونها عمل بشري خاضع للخطأ والصواب ، والتوفيق في النهاية والقبول هو من عند الله تعالى ..

وأعود إلى المستوي الإنساني أو البعد الإنساني في العمل ، الحقيقة لم تكن السيرة الذاتية إلا صادقة صدقا مطلقا فيما نقلت عن شخصية البطلة ، بل عجزت قدرات الكاتب الأدبية عن التصوير الحقيقي لروعة شخصية منال .. فمن عظمة تلك الشخصية أنك لا تستطيع فعلا أن تعبر عنها أو أن تحيطها من كل جوانبها ..
فكيف يمكن أن توجد سلبيات حقيقية ومعتبرة ومؤثرة لشخصية مثل شخصية منال ؟

سأحدثك الآن حديث العقل المجرد لا حديث الزوج المحب الوله ولا العاشق المفتون بحبيبته .. سأحدثك حديث العقل وأسألك وعليك أنت أن تجيب بموضوعية ؟

إذا تجرد إنسان من متاع الدنيا ، فلم يهتم منها بمال ، ولا أحب الذهب لا كنزا ولا جمعا ولا حتى تجملا وارتداء !

إذا استعذب إنسان عذابات الدنيا ، وحمد الله على كل شيء في السراء والضراء ، فصبر على تقلب العيش بين الديون ، والتعب وعدم الأمن والغربة ، والمرض وكل منغصات الحياة بقلب شاكر ، ونفس راضية مطمئنة ..

إذا ربط إنسان نفسه بالله تعالى وبدينه وبدعوته وبرسوله صلى الله عليه وسلم ، فلم يفكر إلا بما أمره به الدين ، ولم يجد نموذجا وقدوة إلا في نبي الله ، ولم يحلم إلا بانتصار دينه وانتشاره ، ولم يتألم ألما حقيقيا موجعا إلا من انكسارات أمته ، ولم ينفصم بنفسه عن دعوته أبدا أبدا أبدا في كل جزئية دقيقة من جزئيات حياته
إذا قرر الإنسان أن يكون شعلة بل شمعة تحترق لتضيء لمن حوله .. طاقة حب تنفتح لكل من حوله ، يعطي ولا يأخذ ، يبذل ولا يكسب
إذا تحولت التضحية في حياة إنسان إلى متعة حقيقية يمارسها راضيا سعيدا محبا للتضحية مستمرئا لها ..

إذا جعل الإنسان نفسه ممزوجا بشريك حياته امتزاجا تاما بحيث تتلاشى الكرامة الإنسانية الفردية ، والمتعة الفردية والأماني الفردية ، ليصبح هذا الإنسان شريك بالنصف في كل شيء ، فحياته مرهونة تماما بحياة شريكه فيها

إذا قرر إنسان منذ صغره أن يكون محبا للآخرين من حموه وأقاربه وجيرانه ، حتى يقرر قبل أن يعرفهم ، أن معركة حياته كيف يجعل الآخرين يحبونه !

هكذا كانت منال .. فهل يمكنك بعد هذا أن تتخيل أن لها سلبيات حقيقية ممكنة ؟

هل يمكنك بعد هذا أن تتخيل أنه ثمة مشكلات كانت ممكن أن تعرض حياتنا معا ؟

ربما هناك خلافات دائما على التفاصيل الدقيقة .. لكن علام يختلف الناس إن لن يختلفوا على المادة والمال ؟

والعلاقة بالأهل وبالبذل لهم ؟

علام يختلف زوجان إن ارتبط قلبيهما برباط عجيب جدا ..

يا أخي الحبيب .. ما ظنك برجل وامرأة التقيا على الله وتحابا على الله ، وتعاهدا على شرع الله ، وحلما بتحقيق مراد الله ، وكانت أسمى أمانيهما الاستشهاد في سبيل الله

ما ظنك بزوج وزوجة ما باتا ليلة واحدة طيلة اثنى عشر عام زواج وأحدهما غضبان على الآخر .. فإذا كان بينهما خلاف سوياه في مدة لم تزد أبدا عن ساعتين ؟

ما ظنك بامرأة فقهت قوله صلى الله عليه وسلم متوعدا المرأة التي تبيت وزوجها عنها غضبان ؟

وما ظنك بزوج بلغ من حبه لزوجته أن يشفق عليها من أن يبيت عليها غضبان فتلعنها الملائكة ، فيتودد إليها ولو كانت غاضبة حتى يعاتبها وتعاتبه ويسامحها وتسامحه ويبيتان كأسعد ما يكون عروسان في ليلة زفافهما ؟

ما ظنك بزوجين لم يشتك أحدهما الآخر لأي مخلوق في هذه الدنيا ولو مرة واحدة في اثنى عشر عاما ؟

ما ظنك في زوجين كان كل منهما إذا وجد على الآخر أو غضب من تصرف منه أن يشتكيه إليه ، فينام في حجره ثم يقول له أنه سيحدثه بصفته صديقه ويشتكي له من عشيقه ، فيشتكيه إلى نفسه ؟

ما ظنك بهذين الزوجين وبتلك الحياة ؟

ما ظنك بزوجين لم يعرفا كيف يفترقان ، فربطت الصداقة بينهما في الفكر والشعور والعمل والهواية والنشاط والحلم والأمل وكل شيء ؟

إن شخصية منال التي أحبتها حماتها فكانت أكثر من ابنة لها .. وأحبها حماها حتى يتوسط لها عند ابنه في أمور ، وأحبها عم زوجها حتى يصفها بأنها امرأة ليست من هذا الزمن ولا ذلك العالم الذي نعيش فيه ، ويقول عنها أنها لا تقارن بمخلوق آخر .. وأحبها أصدقاء زوجها وزملاء عمله ، لما لاحظوه عليه من استقرار لا يشعر به إلا من كانت له زوجة بعظمتها ..

إن أجمل ما قرأته تعليقا عن تلك الحالة الفريدة التي يعدها البعض مثالية وأراها أنها أقل بكثير من الحقيقة
تعليق شقيقي محمد حميده معقبا على الرواية فيقول :

إن ما كتبه أخي علاء أقل من الحقيقة كثيرا ولولا خوفه من عدم تصديق القراء واستشعارهم بالمبالغة لكتب أكثر وأكثر ليقترب من حقيقة منال ..

وما لم يذكره شقيقي محمد أن قلمي هو الذي عجز عن تجسيد منال بما تستحق أن تتجسد به ..

وتعليق الأخت الكريمة الأستاذة سهيلة عزوني قائلة عن الرواية :في عالم عماد ومنال ابتسم فأنت في عالم سعيد ، إنه عالم طوبي لكنه ممكن  !!!
بين الطوباوية أو المثالية المغرقة وإمكانية الحدوث .. كانت معجزة منال السكنيدي البطلة المهمشة التي تستحق تخليد ذكراها في هذه الحياة .. وتستحق روحها ومناقبها ألا تموت ..
* إن كل سطر من إجابتك يدهشني ، وأنا الذي أحسب نفسي من الإسلاميين ومن المؤمنين بأن الأمة يجتاحها الخير ومكنوزة بالروائع .. إن كلامك هذا يرفع من سقف خيالي كثيرا .. وهو يرفع من سقف خيال كل القراء بلا شك .. وأعرف أني كلما استزدك زدت بما يزيد من ارتفاع سقوف الخيال ، وهكذا في دائرة مفرغة .. لو قصدنا الاختصار فسألت عن رؤيتك لصناعة مثل هذا النموذج العجيب جدا.. كيف تكون الإجابة الوافية والمختصرة كذلك ؟

دعني أولا أشكرك على إطرائك ، فما الواحد منا سوى ما يمكن أن يقال عليه ( واحد من الناس ) ، ليس هناك هذا التفرد في التميز ..

ولكن إذا استشعرت أنت شيئا من ذلك خاصة في شخصية منال رحمها الله فأرجو أن أوفق في وضع وصفة ( روشتة ) مختصرة في نقاط أو خطوات من وجهة نظر شخصية بحتة لتحقيق هذا النموذج وتكراره :

• ربط الإنسان نفسه ومصيره وكل شيء في حياته بالله تعالى ورسوله ومنهجه .. بحيث لا يترك في نفسه أي جزئية أو خصوصية بعيدة عن منهج الله .. بل تكون كل أمانيه وأماله وأحلامه مرتبطة بالله تعالى..

• من يؤمن بأن الإسلام هو الحل لكل مشاكل العصر ، يطبق الحل الإسلامي على حياته شخصيا أولا وقبل أن يقدمه للناس .. يعني حتمية ومصيرية الحل الإسلامي لكل شؤوننا الخاصة والعامة والعمل بالنصيحة الخالدة : أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم على أرضكم

• ألا يتورط المرء في الانفصام بين شخصيته الدعوية أو الإسلامية أو الملتزمة وبين حياته الشخصية فكلاهما يجب أن يتوحدا وأن يتميز بالشفافية والصدق والإخلاص.. وعندي نصيحة خاصة .. عندما يحيك في نفس الشخص أمرا فلا يبحث عن فتوى لنفسه وإنما يعرضها على فقيه متخصص موثوق ليفتيه .. أما إذا كان له الحق فأراد أن يتركه لله فليأخذ بفتوى نفسه عملا بقوله صلى الله عليه وسلم : استفت قلبك .. أي نقلب التطبيق للحديث نطبقه لصالح الآخرين أكثر مما نطبقه لصالحنا ..

• الزهد في الدنيا بمعنى أن ( تكبر دماغك عنها ) تترفع عن كل مغرياتها ، فالمال والجاه والمنصب والعز والكرامة .. كل شيء عرض زائل .. فما لنا نتكالب عليها ؟

لو تركناها لله ، سنعيش في سعادتي الدنيا والآخرة

• حب الناس .. بالمعنى الحقيقي للحب ومحاولة تقديم وتوضيح هذا الحب لهم ، وإشعارهم بذلك وجعل التضحية شيء عادي في حياة الشخص

• ادفع بالتي هي أحسن .. قاعدة أساسية لو وضعها الإنسان نصب عينيه كفته بإذن الله وحقق حب الناس ، وحب الناس منحة من الله ..

• هذا بعض ما يحضرني بالإضافة بالطبع إلى الاستعداد الفطري ، فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ، ولذا فهناك استعداد فطري لتطبيق هذه القواعد في الالتزام .. ومن يستشعر عدم استعداده الفطري فعليه اللجوء بصدق وإخلاص وتبتل وخشوع للدعاء بأن يجعله الله كذلك ، فالأخلاق بالتخلق كما في الحديث ( إنما الحلم بالتحلم )

لم يكن حوارا عاديا ..

فعادتي في الحوارات أن أنتمي لمدرسة “أحمد منصور ” – إن صح التعبير – في تبني الرأي المضاد لرأي الضيف ، وأنفر تماما من مدرسة الحوار التي تجعل الضيف في منزلة الأستاذ والمحاور في منزلة التلميذ ، ولو أن بعض الناس يجب أن يحاوروا هكذا لأستاذيتهم ومكانتهم الحقيقية خصوصا العلماء ( في كل مجال طبعا ) ، إلا أن سيل الإعلام المنافق يجعلني لا أطيق الحوار التابع المتابع .

لكن – للحق – فإن الحوار المواجِه  أيضا قد يتحول إلى النفاق والإفلاس ، وأشهر الحوارات المفلسة هي التي يكون ضيفا فيها واحد من الإخوان المسلمين ، فلقد غدت كل الأسئلة محفوظة ومعادة ومكررة إلى حد يثير الاشمئزاز ويعبر عن إفلاس حقيقي للعلمانية والديكتاتورية في بلادنا .

فإني أيضا ضد أن يكون الحوار على الضد دائما وعلى طول الخط ، ومن حق الكثيرين ممن أُهْلِكوا حوارا مواجها أن يستمع الناس إليهم في حوارات مستفهمة تستهدف أن توضح الفكرة ووجهة النظر – مهما كانت وجهة النظر تلك - .

والحوار حول “حتى لا تموت الروح” خصوصا ، يفرض أن يكون من نوع الحوار الذي يحاول توضيح الفكرة لا الذي يبحث عن نقاط الاختلاف ، وبرغم غرامي بمدرسة أحمد منصور إلا أن الإنصاف والحق يقتضيان أن أنحاز لمدرسة “الاستفهام” – إن صح التعبير – في هذا الحوار .

لأن رواية “حتى لا تموت الروح” هي – بلا أدنى مبالغة – قفزة في الأدب الإسلامي ، فلأول مرة نجد رواية رومانسية قوية يمكن أن نقول عنها إسلامية . وهي ليست إسلامية لأنها تجنبت الألفاظ الخارجة فقط حتى في وصف لحظات عميقة جدا – وهذا وحده إنجاز – بل لأن منطلقها إسلامي الفكرة والمنهج وأبطالها إسلاميون متشربون للفكرة الإسلامية عاملون على تنفيذها .. وهي قبل كل هذا وبعده قصة حقيقية قامت على وجه الأرض بما يجعلنا سنضطر إلى أن نناقش أحداث الرواية خارج السياقات الفنية والأدبية والناقدة لندخل إلى ساحات الفكرة وكيفية تطبيق الفكرة ونقلها من سطور الكتب إلى شخوص تمشي على الأرض .

وغني عن التعريف أن الحوار يكون صعبا مع طائفة الكتاب والأدباء ، فالذين يمتلكون ناصية القلم دائما أقدر على انتقاء الألفاظ وابتكار المصطلحات والأساليب التي ينجون بها من “فخاخ الأسئلة” بمهارة .. وحوارنا اليوم مع الأستاذ علاء سعد أحد أرباب القلم المرموقين .

وسيلمس القارئ الكريم من تلقاء نفسه ، كيف أن الأولى في مثل هذا الحوار أن يكون ” استفهاميا استيضاحيا ” ، لأنه يدور حول شخصية امرأة مسلمة قد تصور الكثيرون – ومنهم أنا – أن عصرنا قد خلا من مثل هذا النموذج .
 

* تعرف أخي علاء مدى حماستي للرواية ، فلن تجد مني مشقة أبدا بل ربما العكس ، وحيث أنه لا يحضرني سؤال مواجهة ، فدعنا نبدأ بسؤال عادي : متى فكرت في كتابة قصة حياتكما كرواية ؟

مرحبا بك أخي الحبيب ، ويعلم الله تعالى كم أنت حبيب على قلبي وقريب من نفسي .. شكر الله تعالى سعيك ، ونفع بك وبمجهودك وبكتاباتك ، وجعل قلمك ذخرا لخير الأمة والبشرية كلها ..

وجزاك الله خيرا على حسن ظنك بي إذ فكرت في إجراء حوار معي .. ولكن والأمر كذلك فإنني أطلب منك أن تتحملني قليلا أو كثيرا ، وكذا قراءك الكرام ، فمن ضمن عيوبي الكثيرة الاسترسال في الحكي والكلام على طريقة سيرة وانفتحت ، فعذرا لما ستجده من مشقة في طول إجاباتي .. ولكن كما أخبرتك مقدما هذا عيب لصيق بي ، ليس من السهولة بمكان التخلص منه بشكل مفاجئ .. فأرجو أن تتحملني ..
أما وإن كان الحديث يدور حول رواية ( حتى لا تموت الروح ) فأرجو قبل الخوض في أي سؤال أو إجابة على سؤال أن أقول شيئا مهما بالنسبة لهذا العمل .. رواية حتى لا تموت الروح عملا شاقا نتيجة لظروف معينة أحاطت به ، وهي ظروف كتابة السير الذاتية عموما .. وهنا توجد سلبية أساسية في هذا العمل ، أنه أراد أن يجمع بين النفس الأدبي ، وبين كتابة سيرة ذاتية كاملة وحقيقية وصادقة لشخصية أعتبرها لا لصلتي بها فقط ، ولكنها تستحق أن تكون كذلك لما قدمته خلال حياتها القصيرة من تطبيق حرفي لما كانت تؤمن به من مبادئ وقيم وأخلاق في حياتها .. تورطت إذن في الكتابة المزدوجة في سيرة ذاتية بنفس أدبي ، مما جعل العمل كله مضطربا بين هذا وذاك ، فقد فرضت علي ضرورات العمل الأدبي أشياء تسيء للعمل كسيرة ذاتية ، والعكس بالعكس ، قد يضطرني الصدق والأمانة والموضوعية عند تسجيل قصة حياة واقعية عن التغاضي عن قوالب أدبية كانت يجب أن تراعي .. فخرج العمل في النهاية كما ترى مذبذبا بين هذا وذاك ، وربما لم يحقق النجاح في كلا الأمرين ، غير أن العمل نجح في أمر واحد أظنه وصل فيه إلى حد قريب من الكمال ، وهو الصدق المطلق في الحكي عن بطلة الرواية والظروف التي عاشت فيها ، ما أمكن إلى ذلك سبيلا .. فمن يقرأ هذا العمل في تقديري لن يخرج منه فعلا سوى بصدق النقل عن هذه الشخصية التي يجب من وجهة نظري أن تترسخ في وجدان الأمة كلها ..

أعود بعد ذلك إلى سؤالك الأول .. وأظنك الآن أدركت بعضا من أسباب اعتذاري الأول كوني أسترسل في الحديث بلا رابط أو ضابط ، فلك أن تتحملني كثيرا لا قليلا هذه المرة ..

السؤال كان : متى فكرت في كتابة هذه الرواية ؟

والإجابة عليه .. أننا في حياتنا معا أنا ومنال كتبت بعضا من قصص قصيرة عن مواقف في حياتنا ، منها على سبيل المثال ( الصراع – الموعد – المحاولة الأخيرة – حدود الخطأ – أحلام الحب .. وغيرها ) وكانت منال تقرأ هذه الأعمال وتحبها وتتأثر بها ، وبعضها كانت تعتبره هدية خاصة لها ، وكانت تعتبرها من أجمل ما يمكن أن أقدمه لها من هدايا .. وكانت في بعض مرات تسألني لمذا لا تكتب عني ، عن علاقتنا معا ، عن دوري كحبيبة في حياتك ؟ ، لدرجة أنها كانت أحيانا تغار من بعض بطلات أعمالي الأدبية ، حين أنجح في تجسيد الشخصية بشكل جيد .. فكانت فكرة الكتابة عنها موجودة لكن لم يكن هناك الظرف الدافع لهذه الكتابة بالشكل الذي جدث في ( حتى لا تموت الروح ) .. وبعدما تأكدنا من إصابة منال بمرضها الخطير ، وأنها في أشد أنواعه ومراحله فتكا وخطرا ، وبعدما أكد لي جميع الأطباء والمختصين أن ما بقى لها في حياتنا لن يتجاوز – علميا على الأقل – الشهرين بأي حال من الأحوال .. كنت أطلب منها أن تكتب عن حياتها ، فحياتها علم ينتفع به .. كيف يحيا المرء بالدين ، كيف تتبعل الزوجة لزوجها ؟ كيف تكسب قلوب كل من يعرفها أو يخالطها حتى تستحق بصدق وعن جدارة لقب أميرة القلوب ؟ ما هو الإتيكيت الإسلامي في فن التعامل مع الحياة بمختلف أطرافها ومواقفها ؟ كل هذا كنت أعتبره علما ينتفع به ، يجب أن يسجل ، فيكون لها زادا في قبرها ، وزيادة في إحسانها .. ولم تكن حالتها الصحية ولا الظروف المحيطة ولا إمكاناتها الطبيعية في الكتابة والتدوين تسمح لها للقيام بهذا العبء .. في اليوم التالي لوفاتها وجدتني أجلس أمام جهاز الكمبيوتر أكتب عنها ( حبيبتي ) .. ثم بدأت أعد قراء مدونتي بالكتابة عن مآثرها ، وكانت كل فكرتي أن أسجل تلك المآثر العظيمة بشكل تسجيلي عادي على صورة كتيب علم عن أخلاق المرأة المسلمة الملتزمة بدينها في كل شؤون حياتها .. ثم ألقى الله تعالى في روعي أن أكتب ما أردت كتابته في صورة رواية أدبية واقعية .. فوقعت في هذا الاضطراب الذي قدمت به لحواري معك ..

* هل الفصول التي جاءت على لسان منال من كتابتها هي ، أم مما أملت عليك روحها كما أحببت أن تصف ما كتبته أنت في قميص الكتاب ؟

اسمح لي هذه المرة برأي ثالث .. ما ورد من مذكرات منال هو من خلال روايتها لي ، فهي مذكرات منطوقة مسموعة صادقة وشبه حرفية ، لكنها غير مكتوبة .. ولم تكن يرحمها الله من أهل الكتابة ، ورزقني الله تعالى أذن واعية تحفظ أشياء عجيبة وتفاصيل دقيقة منذ أيام طفولتي الأولى .. وهذا هو سر التفصيل الدقيق في الفصول المروية على لسانها .. كما أن اغلب أمسياتنا كانت كلها حكاوي الذكريات والمشاعر فحفظتها عن ظهر قلب ..

أما فكرة الرواية نفسها وأسلوبها وتدفق الذكريات فيها هو ما أملته روحها الحبيبة قدسها الله تعالى على قلمي..

* السؤال الذي سألنيه كل من عرف الرواية عن طريقي هو سر تغيير اسمك في الرواية إلى “عماد” بدلا من “علاء” ، واسم والدك من “سعد” إلى “سعيد” .

ليس هناك سر .. كل ما في الأمر ، لا أرى أن اسمي يستحق الذكر والاقتران بتلك الروح العظيمة التي أردتها وحدها أن تكون هي بطلة العمل لا سواها ، وما عماد سعيد أو علاء سعد أيا كان الاسم سوى ( قزيم ) - تصغير قزم - أمام عملقة روح منال رحمها الله وربما هروبا كذلك من ذكر اسماء التحبب التي كانت تناديني بها فهي من خصوصيتها وحدها يرحمها الله ولن يعرفها أحد سواها .. والحقيقة أنني غيرت أسماء معظم من ورد ذكرهم في العمل ليبقى اسم منال وحده الاسم الحقيقي الذي يستحق أن يذكر وأن يدعو له الناس بالرحمة والمغفرة وسعة القبر ، ورفعة الشأن والمصير ..

* تعرف - أخي علاء - أني زرت شقيقك محمد في بيته أكثر من مرة ، وذات مرة كان مبيتنا في “الغرفة التي على الشارع التي نحبها وتحبنا” ، ولذا كنت اقرأ الرواية مستحضرا أماكنها الحقيقية في ذهني ما زاد من تأثري بالرواية عن غيري من القراء ، وما جعلني أعرف حق المعرفة مقدار اختلاف “منال” عن بنات الجيل في أحلامها عن مسكن الزوجية .. هل تُرجع هذا إلى مجرد التدين والالتزام عند “منال” أم لشئ في طبيعتها الشخصية لا يرتبط بالتدين أو غيره ؟

الغرفة التي على الطريق تسمع الأشواق تعصر الأسى .. الغرفة التي نحبها وتحبنا كانت في منزل أسرة منال القديم ( بيت السكنيدي ) ، في الحارة وقد انتقلوا منه ، وربما تم هدم المنزل نفسه .. أما ما زرته أنت فهو قد يكون شقة الزوجية ..

أما عن أحلام منال وشخصيتها وعلاقتها بالتدين .. فأقول لك أن التدين الذي عرفناه أنا ومنال ليس طرحة وعباءة أو خمار أو نقاب ، وليس لحية أو جلباب ، وليس كذلك شعائر تؤدى وطقوس تقام ، وكلمات تحفظ ، ودعوات تقال وأذكار تذكر .. كل هذه وسائل لتحقيق التدين والمسلم مأجور عليها كلها بإذن الله ، ولكن التدين من وجهة نظرنا هو طريقة حياة .. كيف تصحو كيف تنام ، كيف تتكلم ، كيف تبتسم ، كيف تختلف ، كيف تحب ، كيف تلبس ، كيف تتعامل ، كيف تشتري ، كيف تنفق ، كيف تكسب ، كيف تعبر ، كيف تحلم ، كيف تفكر ، كيف تتسامح ، كيف تعاتب ، كيف تغضب ، كيف تعفو .. التدين في مفهومي أنا ومنال بالاختصار : كيف نحيا ؟ كيف نعيش ؟ وهو شيء امتزج بوجدان منال فأخرج منها شخصية أقرب للمثالية غير الممكنة .. منال عجنت بالتدين ، فلم يعد ممكنا فصل شخصيتها العادية عن شخصيتها المتدينة ، ربما ذكرت أنها كانت ابنة دعوتها ولم تكن ابنة بيئتها ، لا للتقليل من تلك البيئة ، ولكن البيئة التي خرجت منها منال تظل في النهاية بيئة بشرية طبيعية فيها عوامل الخير ونقيضه ، أما هي فكانت نموذجا وحده .. كانت إسلاما يمشي على الأرض بين الناس .. أحسبها كذلك ولا أزكي على الله أحد !!

كذلك أخرج الإسلام قومي
شبابا مخلصا حرا أمينا
وعلمه الكرامة كيف تبنى
فيأبى أن يقيد أو يهون

* كثيرا ما أخبرتنا أن منال قوية الشخصية وأنها “خاضت معاركا” .. لكن لم تقدم لنا تفاصيلا عن هذه المعارك التي خاضتها ولا لمرة واحدة .

سأضرب لك أمثلة مما حكته الرواية لترجع إليها ، ولن أذكر المزيد مما لم يمكن ذكره في الرواية لأسباب متنوعة
إصرارها على قبول الخاطب الفقير حديث التخرج ابن الأسرة البسيطة الذي تقدم لها قبلي ، بل إصرارها على ذلك لدرجة أنها لم تقبل الأخذ بالنصيحة التي جاءتها عبر الرؤية عقب صلاة الاستخارة بأنه لا يصلح لها .. لسبب واحد هو تثبيت مفهومها عن الارتباط بذي الدين ولو كان معدما
معركتها من أجل الخمار والنقاب ..

معركتها مع حسام من أجل قبولي وهي – للأسف الشديد – لم تكن تعرفني ولا سمعت بي من قبل -  من أجل المبدأ نفسه ( إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير ) وقوله تعالى ( إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله )

تحديها من أجل تحديد وتقديم موعد عقد الزواج .. حتى وقفت موقفا عيرتها به – للأسف الشديد نساء من حموها – فم تأبه لأنها كانت تدافع عن اقتناعها أولا وعن حبها – أولا أيضا –

دورها البطولي في مواجهة أسرتها لتحديد موعد الزفاف قبل السفر .. حتى ظن الجميع بنا الظنون – وكانت بريئة –

مواجهتها لظروف قهرية لا يتحملها بشر عندما مكثت معي في المملكة ثلاثة سنوات بلا أوراق نظامية تحت تهديد أمني مرعب ..

تحديها المرض نفسه ببسالة وثبات غير عادي أدهش كل الأطباء والمتابعين الذين راهنوا على تدهور حالتها النفسية ودخولها في مرحلة ( اكتئاب حاد ) لكنها ماتت وهي مبتسمة راضية ..

تحديها الأخير من أجل الإقامة في منزل أمي فترة العلاج ، وما أدراك ما المعارك الاجتماعية التي نشأت بسبب ذلك !!

ثم تحديها لي في السوبر ماركت من أجل عدم شراء الجبن الدانمركي ..

ولقد تحدتني كثيرا وخاضت معي معارك على مبادئ معينة وكانت تنتصر غالبا .. ولكني في حل من ذكرها ، طالما أن الرواية سكتت عنها ..

* قصدت أنك لم تشرح لنا تفاصيل المعارك . هكذا أحسست وربما أخطأ الإحساس ، لكن كان بظني أن قوة شخصية البطلة لم تظهر كما ينبغي من خلال ما كتب في تلك “المعارك” بإيجاز ؟

من اجل هذا قلت أن من عظمة شخصية منال أن ( حتى لا تموت الروح ) لم توفها حقها ، ولم تحط بجوانب عظمة شخصيتها .. لعل في الكتابات القادمة إن شاء الله تركيزا على مثل هذه المعارك بشكل منفصل ..

Next Page »